في عصر يطغى فيه طموح الآباء لتربية أطفال متفوقين دراسيًا ومتميزين سلوكيًا، يتضح أن النجاح لا يقاس بالدرجات أو الجوائز وحدها، إذ تؤكد أبحاث حديثة أن الثقة بالنفس والقدرة على التكيف تبدأ من بيئة يشعر فيها الطفل بالأمان، ومنحه الحرية للتعبير عن نفسه، لتصبح شخصيته متينة، وقدرته على مواجهة تحديات الحياة حقيقية ومستدامة.
أكدت ريم روضة، الخبيرة في مجال التربية الواعية والصحة النفسية للأطفال، في تجربتها العملية، التي شملت دراسة أكثر من 200 طفل، أن خلف سلوكيات التمرد والمشاكل السلوكية غالبًا ما يكمن طفل لا يشعر بالراحة للتعبير عن مشاعره واحتياجاته.
وتوضح روضة أن شعور الطفل بالأمان مع والديه في السنوات المبكرة يلعب دورًا حاسمًا في تشكيل شخصيته المستقبلية. وتقدم ست طرق عملية لتعزيز هذا الشعور بالأمان منذ الصغر، لضمان نمو طفل واثق ومتكيف مع تحديات الحياة.
دع طفلك يعبر عن مشاعره
يميل كثير من الآباء إلى التدخل فورًا عندما يظهر الطفل انزعاجه: نطمئنه بالكلمات أو نحاول إنهاء شعوره بسرعة. فحين يبكي، نقول: "لا بأس"، وعند الغضب: "اهدأ"، وعند الإرهاق، نبحث عن حل سريع لتجاوز الموقف.
لكن خبيرة الصحة النفسية للأطفال تحذر من أن هذا السلوك قد يجعل الطفل يبتعد عن مشاعره ويصعب عليه التعبير عن ذاته بمرور الوقت. ما يحتاجه الطفل حقًا هو وجود أحد الوالدين بجانبه، يمنحه الأمان ويصبر على شعوره، حتى لو طال الوقت.
يمكن لجملة بسيطة مثل: "أرى أنك منزعج. أنا هنا معك. خذ وقتك" أن تصنع فرقًا كبيرًا، إذ تعلم الطفل أن مشاعره طبيعية وآمنة، وتمنحه الثقة ليواجه تحدياته العاطفية لاحقًا بنفسه.
استمع لطفلك ودعه يكتشف عواطفه
غالبًا ما يغفل الآباء عن أهمية الاستماع لطفلهم بعمق، فيقولون له على سبيل المثال: "لا يمكن أن تكون جائعًا، لقد تناولت طعامك"، أو "لقد نمت مبكرًا، كيف لا تزال متعبًا؟"، أو "إنها صديقتك، أنت لا تكرهها".
ورغم حسن النية، فإن هذه الملاحظات تعلم الطفل أن مشاعره غير موثوقة، وأن الآخرين هم من يحددون تجربته الداخلية بدلًا منه. وتشير أبحاث التحقق العاطفي إلى أن الأطفال الذين يُتجاهل شعورهم باستمرار يواجهون لاحقًا صعوبة في الثقة بأحكامهم ومشاعرهم الخاصة كبالغين.
البديل الأبسط والأكثر فعالية هو طرح أسئلة مفتوحة مثل: "ما شعورك الآن؟" أو "ما رأيك؟"، ثم التوقف عن الكلام، ومنح الطفل الفرصة لاستكشاف عالمه الداخلي وتحمل مسؤولية تجربته بنفسه، مما يعزز استقلاليته العاطفية ويقوي ثقته بنفسه على المدى الطويل
الأطفال المطيعون ليسوا دائمًا الأكثر أمانًا عاطفيًا
قد يبدو بعض الأطفال الأكثر هدوءًا وانضباطًا مثالياً في سلوكهم، لكن الدراسات تشير إلى أن هذا الهدوء قد يخفي شعورًا بعدم الأمان العاطفي. فهؤلاء الأطفال غالبًا ما يتعلمون منذ الصغر أن الحفاظ على السلام والطاعة يضمن استمرار الحب والعلاقات، فينصاعون ويلبون احتياجات الآخرين قبل التعبير عن مشاعرهم الحقيقية.
في المقابل، الطفل الذي يجرؤ على التعبير عن غضبه أو إحباطه بصراحة غالبًا ما يتمتع بقدر أكبر من الأمان العاطفي، لأنه يشعر بالثقة بأن مشاعره مقبولة وأنه يمكنه التواصل بحرية دون خوف من فقدان الحب أو الاهتمام.
توقف عن الحكم على طفلك
قد يعتقد كثير من الآباء أن عبارات مثل "أحسنت" أو "كان هذا مخيبًا للآمال" مجرد تشجيع أو تصحيح، لكنها في الواقع قد توحي للطفل أنه يتم تقييمه باستمرار.
فبدلًا من إصدار الأحكام، حاول وصف ما تلاحظه بموضوعية، وفتح المجال لطفلك للتعبير عن مشاعره. فبدلاً من "أحسنت"، يمكن قول: "لاحظت مدى اجتهادك في هذا العمل"، وبدلًا من "توقف عن الإساءة"، جرب: "ما هي المشاعر التي تشعر بها الآن؟"
هذا التحول من التقييم إلى الفضول الحقيقي يعزز شعور الطفل بالأمان، ويعلمه أن مشاعره وتجربته الشخصية محل اهتمام دون أن تُقاس أو تُحكم.
توقف عن الرد على كل شعور لطفلك
كثيرًا ما تدفعنا محبتنا للأطفال إلى الشرح أو التصحيح في كل موقف، ظانين أننا بذلك نحميهم أو نساعدهم. لكن الخبراء يشيرون إلى أن الاستجابة الفورية لكل شعور أو تصرف تحرم الطفل من فرصة فهم مشاعره بنفسه. مع الوقت، يتعلم الطفل الاعتماد على الآخرين لإيجاد الإجابات، وينسى الاستماع إلى نفسه وأفكاره الداخلية.
الطريقة الأمثل هي التواجد معهم بهدوء، دون محاولة التحكم في كل لحظة أو تقديم حلول سريعة، مما يمنح الطفل مساحة لمعالجة مشاعره وتنمية استقلاليته العاطفية.
تحكم بمشاعرك لتعلم طفلك الأمان
تعليم الطفل الأمان العاطفي يبدأ من والديه أنفسهم. الأطفال يدركون بسهولة الفرق بين الوالد الذي يظهر الهدوء دون شعور حقيقي، وبين من بذل جهدًا حقيقيًا لتهدئة نفسه قبل التفاعل معهم.
قبل الرد على طفلك في مواقف صعبة، امنح نفسك لحظة للتوقف والتفكير: لماذا أثار هذا الموقف مشاعري بهذه القوة؟ وهل هي مشاعري أم مشاعره؟ مجرد وعيك بهذه التساؤلات يمكن أن يغير طريقة تعاملك مع الموقف، ويعلم طفلك أن العواطف قابلة للفهم والسيطرة، وأن التفاعل الهادئ يُنشئ شعورًا بالأمان العاطفي.
اقرأ أيضًا :
السر الحقيقي وراء الحياة السعيدة كشفته دراسة استمرت 85 عامًا
9 أسئلة على الآباء طرحها لتربية أبناء أذكياء عاطفيًا
عدد أطفالك قد يؤثر على متوسط عمرك!













