قد يتحوّل اضطراب النوم أحيانًا من ليالٍ قليلة من الأرق إلى حالة مزمنة تؤثر على مختلف جوانب الصحة، وفقًا لتقارير خبراء النوم والأبحاث العلمية الحديثة المنشور على موقع "ناشيونال جيوغرافيك".
وتُعد قلة النوم تجربة شائعة؛ فالكثير منا يمر بليلة أو ليلتين صعبتين بسبب التوتر قبل اختبار أو عرض تقديمي، أو نتيجة اختلاف التوقيت عند السفر. وغالبًا ما تُنسى هذه الليالي سريعًا. لكن بالنسبة لملايين الأشخاص، فإن قلة النوم ليست مجرد أزمة مؤقتة، بل صراعًا متكررًا يؤثر على حياتهم اليومية.
وتشير البيانات إلى أن حوالي 30% من البالغين يعانون أعراض الأرق في أي وقت، فيما يصل عدد من يستوفون معايير الأرق المزمن إلى نحو 10%، وفق ما توضح ويندي تروكسل، عالمة السلوك المتخصصة في النوم في مؤسسة راند. وتضيف تروكسل: "الأرق هو في الواقع اضطراب يستمر 24 ساعة، وليس مجرد تحدٍ ليلي"، مشيرة إلى أن الحرمان من النوم يؤثر على كل شيء بدءًا من صحة القلب والأوعية الدموية ووظيفة المناعة إلى تنظيم المزاج.
كما تشير الأبحاث الحديثة إلى أن الأرق يمكن أن يصبح مستمرًا ذاتيًا، إذ تساهم استجابات القلق والتوتر المصاحبة له في تفاقمه بمرور الوقت.
أعراض الأرق
من الناحية السريرية، لا يقتصر الأرق على عدم الحصول على قسط كافٍ من النوم، بل يتميز بصعوبة مستمرة في النوم أو الاستمرار فيه أو الاستيقاظ المبكر، إلى جانب تأثير واضح على الأداء خلال النهارن وهذا التأثير خلال النهار ضروري للتشخيص، كما تؤكد تروكسل.
ويضيف جيمي زيتزر، المدير المشارك لمركز النوم وعلوم الساعة البيولوجية بجامعة ستانفورد: "إذا استغرق الأمر منك 30 دقيقة لتغفو، ولكنك لا تشعر بالانزعاج، فقد لا يكون لديك أرق. أما إذا استغرق الأمر 10 دقائق فقط، وشعرت بالقلق، فقد تكون مصابًا بالأرق". ويؤكد زيتزر أن الانزعاج النفسي من طول الوقت المستغرق للنوم هو ما يميز الأرق الحقيقي عن مجرد تأخر طبيعي في النوم.
الأرق الحاد مقابل المزمن
يوضح راج داسغوبتا، طبيب متخصص في أمراض الرئة وطب النوم بمستشفى هنتنغتون التذكاري في كاليفورنيا، أن أعراض الأرق الحاد غالبًا ما تشمل التعب أثناء النهار، وسرعة الانفعال، وضعف التركيز، ومشكلات في الذاكرة، واضطراب المزاج. أما الأرق المزمن، فيشترك مع هذه الأعراض ولكنه يرتبط أيضًا بعواقب صحية طويلة الأمد.
ويضيف مئير كريجر، الأستاذ الفخري للطب في كلية الطب بجامعة ييل ومؤلف كتاب الآثار الصحية للأرق المزمن: "لكي تُعتبر أعراض الأرق مزمنة، يجب أن تحدث ثلاث ليالٍ على الأقل في الأسبوع لمدة ثلاثة أشهر أو أكثر، ولا يمكن تفسيرها باضطراب نوم آخر أو حالة طبية أو تعاطي مواد مخدرة".
التأثيرات الصحية المزمنة
يشدد الخبراء على أن اضطرابات النوم المستمرة تؤثر سلبًا على الصحة العامة. يقول كريجر: "أكبر خطر صحي للأرق هو الإصابة بالاضطرابات النفسية، وخاصة الاكتئاب والقلق". وقد أظهرت دراسة أجرتها جامعة جونز هوبكنز على أكثر من ألف شاب على مدى ثلاثة عقود أن الأرق يزيد من احتمالية الإصابة بالاكتئاب السريري، وتوصلت دراسات أخرى إلى نتائج مشابهة.
كما يرتبط الأرق المزمن بتدهور وظائف الدماغ، بما في ذلك ضعف الأداء المعرفي وزيادة خطر الإصابة بأمراض تنكسية عصبية على المدى الطويل. وتشير دراسات إلى أن اضطرابات النوم المستمرة تزيد من مخاطر الإصابة بأمراض القلب، وارتفاع ضغط الدم، والسكري من النوع الثاني، إضافة إلى ضعف الجهاز المناعي وزيادة الالتهاب في الجسم.
ويُفسّر داسغوبتا هذه التأثيرات بأن "جهاز الاستجابة للضغط النفسي يبقى مفرط النشاط فسيولوجيًا، حيث يرتفع مستوى الكورتيزول والنشاط العصبي الودي في حين يفترض أن ينخفض ليلًا. فالأرق يعني ببساطة أن الجسم لا يرتاح كما ينبغي، مما يُرهق أجهزة متعددة مع مرور الوقت".
ويختتم كريجر بالتأكيد على أن الحرمان من النوم لا يؤثر فقط على الصحة الجسدية والنفسية، بل يمتد إلى الأداء اليومي والاجتماعي والمهني، إذ يمكن أن يؤدي إلى ضعف الكفاءة وزيادة احتمالية الأخطاء والحوادث، ما يجعل الأرق اضطرابًا معقدًا يتجاوز ساعات الليل.
اقرأ أيضًا:
مسرح الأحلام المنسية.. كيف يعيد تقليل الكافيين صياغة ليالينا؟
يوم النوم العالمي.. أسرار الثلث الخفي!
النوم بعد نوبة الصرع.. هل يفاقم المشكلة؟












