قالت كاثلين كيلر، أستاذة علوم التغذية بجامعة ولاية بنسلفانيا، إنها أمضت معظم حياتها المهنية والشخصية في البحث عن الأسباب التي تدفع الأطفال إلى اختيار أطعمة بعينها دون غيرها، مؤكدة أن فهم تطوّر التفضيلات الغذائية لدى الصغار يمثل خطوة أساسية لمساعدة الآباء على ترسيخ عادات غذائية متنوعة وصحية منذ وقت مبكر.
الجينات أم أساليب التربية
وأوضحت أن الجدل الدائر حول ما إذا كانت الجينات أم أساليب التربية هي العامل الحاسم في تشكيل أذواق الأطفال لا يمكن حسمه بعامل واحد، مشيرة إلى أن التأثير الوراثي قد يلعب دورًا، لكنه غالبًا ما يفسر جزءًا محدودًا من الصورة الكاملة.
وبيّنت أن الإنسان يُولد بميل فطري نحو المذاق الحلو ونفور من الطعم المر، لافتة إلى أن هذه السمات يُعتقد أنها ذات وظيفة وقائية؛ إذ توجه الطفل نحو مصادر الطاقة الغنية بالسعرات الحرارية، والتي غالبًا ما تكون حلوة مثل الفواكه أو حليب الأم، وتدفعه في المقابل إلى تجنب المواد التي قد تكون سامة، والتي يغلب عليها الطعم المر.
كشفت دراسات علمية حديثة عن مؤشرات مبكرة على تشكّل التفضيلات الغذائية لدى الإنسان حتى قبل الولادة، في ما يعزز فرضية وجود أسس فطرية تؤثر في اختيارات الطعام لاحقًا.
ففي إحدى الدراسات، تبيّن أن الأمهات الحوامل اللواتي تناولن كبسولات بنكهة الجزر الحلو أنجبن أطفالًا أظهروا تعابير توحي بالارتياح والابتسام خلال فحوصات التصوير بالموجات فوق الصوتية، في حين بدت على أجنة الأمهات اللواتي تناولن كبسولات الكرنب المر ملامح تجهم، ما يشير إلى استجابة مبكرة ونفور محتمل من الطعم المر.
ولا تقتصر العوامل المؤثرة على الاستجابات الفطرية فحسب، إذ تلعب الجينات دورًا إضافيًا في تحديد حساسية الفرد للمذاقات المختلفة. فهناك جينات تتحكم في القدرة على تذوق مركبات مُرّة تُعرف باسم «الثيوريا»، وهي مركبات تشبه تلك الموجودة في الخضراوات الصليبية. ويُقدّر أن نحو 70% من سكان الولايات المتحدة يرثون نسخًا جينية تجعلهم أكثر حساسية لهذه المركبات، ما يجعلهم أكثر نفورًا من أطعمة مثل البروكلي النيء والقهوة السوداء والجريب فروت.
ورغم ذلك، تشير المعطيات إلى أن التفضيلات الغذائية ليست ثابتة بالكامل؛ إذ يطوّر كثيرون مع مرور الوقت ميلًا إلى الأطعمة المرة، حتى وإن كانت تجربتهم الأولى معها غير محببة.
كما يرتبط جين آخر بتفضيلات الطعام، وهو الجين المسؤول عن الإحساس بطعم «الكزبرة الصابوني». ويُقدّر أن ما يصل إلى 20% من سكان الولايات المتحدة يحملون نسخة من هذا الجين الشمي تجعلهم أكثر حساسية لمركبات الألدهيد، التي تمنح الكزبرة مذاقًا يُشبه الصابون بالنسبة لهم، ما يفسر الانقسام الحاد في الآراء حولها بين محبّين ورافضين.
تفسير تفضيلات الطعام
أكدت أبحاث علمية أن الجينات لا تمثل سوى جزء محدود من تفسير تفضيلات الطعام، فيما تلعب البيئة والتجارب الحياتية دورًا حاسمًا في تشكيل ما يفضّله الإنسان على مائدته.
في حين أن الجينات وحدها لا تفسر سوى جزء صغير من الذوق، فإن تفاعلات الشخص مع الطعام في البيئة لها تأثير كبير عندما يتعلق الأمر بما يريده على العشاء.
ويُعد مبدأ «التكييف الكلاسيكي» أحد أبرز المفاهيم التي فسّرت آلية تكوّن هذه التفضيلات. فقد أثبت عالم الفيزيولوجيا الروسي إيفان بافلوف في القرن التاسع عشر إمكانية تعليم الكلاب إفراز اللعاب عند سماع صوت الجرس، بعد ربطه المتكرر بوقت تقديم الطعام. وتُظهر معظم الحيوانات الأليفة قدرة مشابهة على ربط مؤشرات بيئية، مثل وعاء الطعام أو صوت صاحبها، بموعد الأكل.
وفي أوائل الثمانينيات، أجرت عالمة النفس الأمريكية ليان بيرش سلسلة من الدراسات أوضحت أن البشر يطوّرون تفضيلاتهم الغذائية بآلية شبيهة بما وصفه بافلوف. فعندما يرتبط طعم معين بتجارب إيجابية مثل الشعور بالشبع، أو تدفّق السعرات الحرارية، أو إفراز مواد كيميائية مرتبطة بالمكافأة في الدماغ، أو حتى نبرة صوت أم حنونة فإن هذا الارتباط يعزّز الإعجاب بالطعام.
في المقابل، قد تؤدي التجارب السلبية إلى نتائج عكسية. فربط نوع معين من الطعام بألم في المعدة أو بأساليب ضغط وعقاب مثل إجبار الطفل على إنهاء طبق الخضراوات قبل السماح له بوقت الشاشة قد يقلّل من تقبّله لذلك الطعام على المدى الطويل.
وتشير الدراسات إلى أن تعلّم النكهات يبدأ حتى قبل الولادة. ففي دراسة كلاسيكية أجرتها عالمة النفس البيولوجي جولي مينيللا، تبيّن أن الأمهات اللواتي تناولن عصير الجزر بانتظام خلال الحمل أو الرضاعة أنجبن أطفالًا أظهروا تقبّلًا أكبر لحبوب الإفطار بنكهة الجزر عند تقديمها لهم للمرة الأولى.
وتنتقل النكهات عبر السائل الأمنيوسي إلى الجنين، ما يسهم في تهيئة الطفل لتقبّل أطعمة العائلة لاحقًا، في مؤشر واضح على أن رحلة تكوين الذوق الغذائي تبدأ قبل أن يرى الطفل النور.
نصائح للتعامل مع إنتقائية الأطفال في الطعام
تشير دراسات متخصصة في سلوكيات التغذية لدى الأطفال إلى أن انتقائية الطعام تُعد مرحلة شائعة في الطفولة المبكرة، وغالبًا ما تتراجع تدريجيًا مع بلوغ الطفل سن المدرسة. ويؤكد خبراء أن نمو الطفل بشكل طبيعي يُعد مؤشرًا مطمئنًا، ما يعني أن القلق المفرط في معظم الحالات ليس ضروريًا.
ويوصي المختصون الآباء الذين يسعون إلى توسيع نطاق أذواق أطفالهم بالتركيز على الإتاحة المتكررة للأطعمة الجديدة، دون ممارسة ضغط أو إجبار. فإتاحة الفرصة للتذوق في بيئة هادئة وداعمة تُعد أكثر فاعلية من الإلحاح أو العقاب.
وتُظهر الأبحاث أن بعض الأطفال قد يحتاجون إلى 12 محاولة تذوق أو أكثر قبل أن يتقبلوا طعامًا جديدًا، في مؤشر على أن الرفض الأولي لا يعني بالضرورة نفورًا دائمًا. كما يلاحظ أن بعض الأطفال يُبدون استعدادًا أكبر لتجربة أطعمة جديدة في المدرسة أو الحضانة، حتى وإن امتنعوا عن تذوقها في المنزل، ما يعكس تأثير البيئة والسياق الاجتماعي في تشكيل التفضيلات الغذائية.
اقرأ أيضًا :
التمارين الرياضية والتهاب المفاصل.. فوائد محدودة أم علاج فعّال؟
السهر قد يزيد خطر مشكلات الأمعاء
لماذا قد تزيد الأنظمة منخفضة الكربوهيدرات من خطر أمراض القلب؟














