أثبتت دراسة حديثة بمعاونة الذكاء الاصطناعي، نشرتها مجلة "نيتشر ميديسين" مطلع 2026، أن ليلة واحدة من النوم المضطرب قد لا تعني مجرد الخمول في اليوم التالي، بل قد تحمل أدلة خفية تتنبأ بأمراض خطيرة قبل سنوات من ظهورها.
وطور باحثون في جامعة ستانفورد نظامًا ثوريًا يعتمد على الذكاء الاصطناعي، لديه القدرة على تحليل الإشارات الجسدية الدقيقة أثناء النوم لتقدير مخاطر الإصابة بأكثر من 100 مرض مختلف.
ويمثّل هذا النظام الذي أطلق عليه اسم (SleepFM)، نقلة نوعية في كيفية استغلال البيانات الحيوية التي كانت تُهمل سابقًا في مختبرات دراسات النوم.
وتعتمد فكرة هذا النموذج على تدريب الذكاء الاصطناعي باستخدام ما يقرب من 600 ألف ساعة من تسجيلات النوم لنحو 65 ألف شخص، تم جمعها عبر اختبارات "تخطيط النوم" التي ترصد نشاط الدماغ، ونبضات القلب، وأنماط التنفس، وحركات العين والساق.
ويرى البروفيسور إيمانويل مينو، أحد كبار مؤلفي الدراسة، أن النوم يمثل حالة فيزيولوجية عامة فريدة، حيث يظل الشخص "أسيرًا" للفحص لمدة 8 ساعات متواصلة، مما يوفر تدفقًا هائلًا من البيانات الغنية التي تتيح للأنظمة البرمجية فهم "لغة الجسد" العميقة.
تعلم لغة النوم عبر تقنيات الذكاء الاصطناعي
لتحقيق هذا الاختراق، قام الفريق ببناء "نموذج أساسي" يشبه في آلية عمله النماذج اللغوية الكبيرة مثل (ChatGPT)، ولكن بدلًا من تدريبه على النصوص، تم تدريب هذا النوع من الذكاء الاصطناعي على الإشارات البيولوجية.
وقُسمت التسجيلات إلى مقاطع مدتها خمس ثوانٍ، مما مكن النظام من تعلم التفاعلات المعقدة بين موجات الدماغ وإشارات القلب ونشاط العضلات.
واستخدم الباحثون أسلوبًا مبتكرًا يُعرف بـ "التعلم التبايني"، حيث يتم استبعاد إشارة واحدة مؤقتًا ويُطلب من النموذج إعادة بنائها باستخدام البيانات المتبقية، مما يضمن تناغم جميع القنوات البيولوجية وفهمها كلغة موحدة.
ويؤكد البروفيسور جيمس زو أن الذكاء الاصطناعي في مجال النوم كان مهملًا نسبيًا مقارنة بمجالات مثل أمراض القلب أو الأشعة، رغم أن النوم يشغل ثلث حياة الإنسان.
ومن خلال هذه المعالجة الضخمة، استطاع (SleepFM) التفوق على الأنظمة الحالية في مهام تقليدية مثل تحديد مراحل النوم وتقييم شدة انقطاع النفس الانسدادي، قبل أن ينتقل إلى التحدي الأكبر وهو التنبؤ بالأمراض المستقبلية عبر ربط بيانات النوم بالتاريخ الطبي للمرضى الذي يمتد لعقود في بعض الحالات.
التنبؤ بمخاطر 130 مرضًا بواسطة الذكاء الاصطناعي
كشفت الاختبارات الطموحة للنظام عن قدرة مذهلة على تحديد 130 حالة مرضية بدقة معقولة من بيانات النوم وحدها.
وحقق الذكاء الاصطناعي نتائج قوية بشكل خاص في التنبؤ بمرض باركنسون بنسبة دقة (C-index) تصل إلى 0.89، والخرف بنسبة 0.85، وأمراض القلب التاجية بنسبة 0.84، بالإضافة إلى أنواع معينة من السرطان مثل سرطان البروستاتا والثدي.
وتعني هذه الأرقام أن النموذج قادر في 80% إلى 89% من الحالات على ترتيب الأفراد بشكل صحيح وفقًا لموعد إصابتهم المحتمل بحدث صحي معين.
وأوضح الباحثون أن القوة الحقيقية لهذا النظام من الذكاء الاصطناعي لا تكمن في مراقبة إشارة واحدة، بل في رصد عدم التزامن بين أعضاء الجسم؛ فالدماغ الذي يبدو نائمًا بينما يبدو القلب مستيقظًا قد يكون مؤشرًا قويًا على وجود خلل صحي مستقبلي.
ورغم أن النموذج لا يقدم تفسيرات باللغة البشرية البسيطة حتى الآن، إلا أن الباحثين يطورون تقنيات لتفسير المسارات التي يتخذها عند إصدار تنبؤات معينة.
ومن المتوقع أن تشمل النسخ المستقبلية بيانات من الأجهزة القابلة للارتداء لتعزيز الدقة ودمج عادات الحياة اليومية في التحليل، مما يفتح الباب أمام عصر جديد من الطب الوقائي الذي يبدأ بينما نحن نيام.












