في تطور لافت لمسار التصعيد بين واشنطن وطهران، كشف تقرير إعلامي أن قرار المواجهة العسكرية لم يكن وليد اللحظة، بل حُسم قبل التنفيذ بيوم كامل. فبحسب ما أورده التقرير، اتخذ الرئيس الأميركي دونالد ترامب قرار اللجوء إلى الخيار العسكري يوم الجمعة، تمهيدًا للهجوم المشترك الذي نُفذ لاحقًا بالتنسيق مع إسرائيل.
الهجوم لم يكن وليد اللحظة
وجاءت العملية في وقت كانت فيه لغة التهديد تتصاعد بالتوازي مع استمرار قنوات التفاوض بين الطرفين، ما أضفى مزيدًا من التعقيد على المشهد السياسي. ووفقًا لموقع "أكسيوس" الأميركي، استهدفت الغارات الإسرائيلية، السبت، مقر المرشد الإيراني علي خامنئي في طهران، تزامنًا مع اجتماع عقده في الهواء الطلق بحضور عدد من كبار مستشاريه.
ومنذ اندلاع الاحتجاجات في العاصمة الإيرانية ومدن أخرى أواخر العام الماضي، شكّل الملف الإيراني ساحة بارزة لأسلوب إدارة ترامب، الذي اتسم بكثرة التحولات والمواقف المتبدلة، إلى جانب رسائل متباينة وتضليل متعمد. ووفقًا لمراقبين، كان هذا النهج القائم على الغموض والتكتيك عنصرًا حاسمًا في إرباك القيادة الإيرانية.
كشف موقع "أكسيوس" أن التحركات التي أفضت إلى هجوم السبت تعود جذورها إلى لقاء عُقد أواخر ديسمبر الماضي بين رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو والرئيس الأميركي دونالد ترامب في منتجع مارالاغو. وجاء الاجتماع في توقيت حساس، تزامن مع انطلاق موجة احتجاجات مناهضة للنظام في إيران، وسط حالة من الغموض بشأن مسارها واحتمالات تصعيدها.
وبحسب التقرير، طرح نتنياهو خلال اللقاء ملف استكمال التنسيق العسكري بين الجانبين، في امتداد للضربات المشتركة التي نُفذت خلال ما عُرف بحرب الـ12 يوم في العام الماضي، والتي استهدفت بصورة أساسية القدرات الصاروخية البالستية الإيرانية. وكان التخطيط الأولي يشير إلى تنفيذ تحرك جديد في حدود شهر مايو.
غير أن تطورات الداخل الإيراني، وارتفاع حصيلة الضحايا خلال الاحتجاجات، سرّعت وتيرة القرار في واشنطن. وفي خضم تلك الأحداث، نشر ترامب عبر منصته "تروث سوشال" رسالة مقتضبة قال فيها: "المساعدة قادمة"، داعيًا المحتجين إلى بسط سيطرتهم على مؤسسات الدولة.
وأفاد تقرير موقع "أكسيوس" أن منتصف يناير الماضي شهد لحظة مفصلية في مسار التصعيد، إذ اقترب الرئيس الأميركي دونالد ترامب من إصدار توجيه بتنفيذ ضربات عسكرية، قبل أن يعدل عن القرار في اللحظات الأخيرة. وبدلاً من المضي في الهجوم، اختار تعزيز الوجود العسكري الأميركي في الشرق الأوسط.
وبحسب التقرير، بدأ في تلك المرحلة وضع تصور لعملية منسقة مع إسرائيل، تزامنًا مع اتصالات أمنية مكثفة بين الجانبين. وخلال أسابيع قليلة، توجه رئيس جهاز الاستخبارات الإسرائيلي إلى واشنطن مرتين، أعقبته زيارات لكل من رئيس الاستخبارات العسكرية ورئيس أركان الجيش الإسرائيلي، في إطار مشاورات ركزت على آليات التنفيذ وتوقيت الهجوم المحتمل على إيران.
مسار تفاوضي
في موازاة التصعيد العسكري، تحركت واشنطن على المسار الدبلوماسي، فقد سعى الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى توظيف الحشد العسكري كورقة ضغط لانتزاع اتفاق مع طهران وفق شروط أكثر صرامة، وهو ما تُرجم بعقد لقاء في سلطنة عُمان مطلع فبراير، في أول تواصل مباشر بين الجانبين منذ حرب يونيو الماضية.
غير أن أجواء التفاوض لم تكن منفصلة عن حسابات الميدان. فبعد أيام قليلة من اجتماع عُمان، توجه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو إلى واشنطن بشكل عاجل، حيث ناقش مع الإدارة الأميركية ما وُصف بـ"الخطوط الحمراء" في أي اتفاق محتمل، إلى جانب سيناريو التحرك العسكري المشترك إذا ما أخفقت الجهود السياسية.
ورغم تشكيك ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر في فرص الاختراق الدبلوماسي، أكد مسؤولون أميركيون وإسرائيليون أن المفاوضات كانت جدية. وأوضح مسؤول أميركي أن ترامب أبلغ طهران صراحة بأن الضربات ستنُفذ إذا لم يتحقق تقدم ملموس سريعًا نحو اتفاق.
وفي إطار التنسيق العسكري المتسارع بين واشنطن وتل أبيب، توصّل الجانبان قبل أسبوع من اجتماع جنيف إلى تحديد توقيت مرجّح للعملية، وتم اختيار يوم السبت التالي، بالتزامن مع اجتماع كان مقررًا أن يعقده المرشد الإيراني علي خامنئي مع كبار مساعديه في مقره الرسمي.
ونقل مسؤول استخباراتي إسرائيلي أن تقريرًا سابقًا لموقع "أكسيوس" تحدّث عن احتمال استهداف خامنئي، ما أثار قلقًا في أوساط القيادات العسكرية الإيرانية. إلا أن المرشد، بحسب المصدر ذاته، لم يُعدل جدول أعماله أو يتخذ تدابير استثنائية للاختفاء.
من تعثر التفاهم إلى لحظة الحسم العسكري
كشفت مصادر أميركية أن المباحثات مع طهران اصطدمت بثلاثة ملفات خلافية رئيسية لم يُحرز فيها أي تقدم، تتعلق بالبرنامج النووي، وتطوير الصواريخ البالستية، ودعم الجماعات الحليفة لإيران في المنطقة. ووفق هذه المصادر، رفضت طهران بشكل قاطع إدراج ملفي الصواريخ والوكلاء الإقليميين ضمن جدول النقاش.
بالتوازي مع المسار التفاوضي، أشارت تقديرات استخباراتية أميركية إلى أن إيران شرعت في إعادة تأهيل منشآت نووية زعمت واشنطن سابقًا إنها دُمّرت بالكامل خلال ضربات يونيو الماضية، ما زاد من منسوب الشكوك بشأن نواياها.
وعندما طلب المبعوثان ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر طرحًا عمليًا ومحددًا، سلّم الجانب الإيراني وثيقة من سبع صفحات تشرح احتياجاته في مجال تخصيب اليورانيوم، مؤكدًا أن الأنشطة مخصصة لأغراض مدنية. غير أن مسؤولين أميركيين اعتبروا الطرح محاولة للالتفاف على المطالب الأساسية.
وعقب جولة جنيف، تحركت سلطنة عُمان مجددًا على خط الوساطة، حيث توجه وزير خارجيتها بدر البوسعيدي إلى واشنطن بشكل عاجل، والتقى جيه دي فانس في مسعى أخير لثني الإدارة الأميركية عن المضي في التصعيد. إلا أن تقرير "أكسيوس" أشار إلى أن القرار كان قد اتُّخذ بالفعل داخل البيت الأبيض.
ومع حلول صباح السبت، انعقد الاجتماع الذي كان مقررًا للمرشد الإيراني علي خامنئي مع كبار مساعديه، بالتزامن مع اجتماعين أمنيين واستخباراتيين آخرين في طهران. وبعد دقائق قليلة، تعرّضت ثلاثة مواقع للاستهداف في توقيت متزامن، كما كان مخططًا له.
اقرأ أيضًا :
ضربات ترامب على إيران.. لماذا تمثل أكبر مغامرة في سياسته الخارجية؟
ترامب يحتفل.. ماذا بعد إعلانه اغتيال مرشد إيران علي خامنئي؟
اغتيال خامنئي.. إسرائيل تعلن أن المرشد "لم يعد موجودا"












