انعكست الحرب التي تقودها الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران بشكل مباشر على أسواق الطاقة العالمية، مسببة حالة من الاضطراب الشديد ومثيرة مخاوف واسعة النطاق من موجات تضخمية عالمية.
ويتصدر الارتهان الآسيوي للطاقة المستوردة المشهد في الأزمة الحالية، في وقتٍ تجاوزت فيه أصداء هذا الاضطراب حدود القارة لتطال أوروبا وإفريقيا؛ حيث باتت شعوب الدول هناك تواجه عبء الارتفاع الحاد في تكاليف الوقود وتهديدًا حقيقيًا لأمنها الغذائي، وفقًأ لشبكة CNBC.
وفي ظل غياب أي أفق قريب لإعادة فتح مضيق هرمز، دفع هذا الوضع المعقد الكثير من المراقبين إلى إعادة التفكير جليًا في مدى استمرار ارتهان العالم واعتماده العميق على ممرات تجارة الوقود الأحفوري التقليدية.
حيث تسبب النفوذ الإيراني المتنامي على مضيق هرمز، ذي الأهمية الاستراتيجية الحيوية، في تحويل مسار النقاش العالمي المحيط بأمن الطاقة بشكل غير متوقع؛ إذ أدت التوترات الراهنة إلى تصنيف الوقود الأحفوري بدلاً من مصادر الطاقة المتجددة (الشمس والرياح) كعنصر رئيسي لعدم الاستقرار والضعف الجيوسياسي.
يعكس هذا التحول انقلابًا جذريًا في السردية التقليدية التي هيمنت على مدار عقود، والتي كانت توجّه انتقادات مستمرة للطاقة المتجددة بدعوى مشكلات الانقطاع والاعتماد المفرط على الظروف الجوية المتغيرة، في حين كان ينظر إلى تقنيات الطاقة التقليدية القائمة على الفحم والنفط والغاز كضامن أساسي للأمن والاستقرار الاقتصادي.
مع ذلك، فإن تفاقم الصراع في منطقة الشرق الأوسط والإغلاق المطول للمضيق، الذي يتدفق من خلاله نحو 20% من إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية، قد أعادا صياغة هذا النقاش من جذوره، ليكشفا بوضوح عن المخاطر الجسيمة المرتبطة بسلاسل إمداد الوقود الأحفوري الهشة.
وبرز هذا الطرح بشكل مكثف على لسان خبراء طاقة ورؤساء تنفيذيين لشركات طاقة أوروبية عملاقة مثل "فورتوم" و"ستات كرافت"، وذلك على هامش قمة "يورولكتريك للطاقة" المنعقدة في العاصمة الفنلندية هيلسينكي.
صدمة الطاقة الحالية
وتختلف صدمة الطاقة الحالية عن الأزمات التاريخية السابقة بوجود تكنولوجيا بديلة ومتفوقة يسهل الاعتماد عليها لتأمين الإمدادات.
فعند مقارنة الوضع الراهن بأزمتي النفط الشهيرتين في عامي 1973 و1979، يتضح أن خايات صناع السياسات في السبعينيات كانت محدودة؛ حيث اتجهت الدول حينها إلى بناء محطات الطاقة النووية، وهو مسار استغرق قرابة 10 سنوات واتسم بتكلفة مالية باهظة.
أما في الأزمة الحالية، فيمتلك العالم حلولاً فورية ومجدية اقتصاديًا تتمثل في الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والبطاريات وتقنيات الكهرباء الواسعة، والعديد من الآليات المرنة والمنخفضة التكلفة التي يمكن توسيع نطاقها ونشرها بسرعة فائقة، وهو ما يشهده قطاع الطاقة العالمي حاليًا بالفعل.
وفي هذا الصدد، يشير كينغسميل بوند، استراتيجي الطاقة في مركز "إمبير" إلى مفارقة لافتة؛ وهي أن الوقود الأحفوري بات اليوم يتسم بالتقطع وعدم اليقين، وهي التهمة ذاتها التي كانت تُوجّه تاريخيًا للطاقة المتجددة.
في حين أصبحت الطاقة النظيفة أكثر استقرارًا بفضل تقنيات البطاريات وشروق الشمس اليومي، مؤكدًا أن العالم انتقل إلى بيئة جديدة، إلا أن المجتمعات خاصة الأوروبية لا تزال مكشوفة أمام مخاطر النظام القديم، مما يفرض على صناع القرار تسريع وتيرة التحول بشكل عاجل.
من جانبها، أكدت الرئيسة التنفيذية لشركة "ستات كرافت" أن السردية المرتبطة بأمن التقنيات النظيفة شهدت تحولاً جذريًا مدفوعًا بالصراعات الجارية في أوكرانيا وإيران.
وسلطت الضوء على التطور التكنولوجي الكبير في قطاع البطاريات، التي أصبحت أرخص ثمنًا وتتمتع بقدرات تخزينية ذات مدد أطول مقارنة بالفترات السابقة، فهي تلعب دورًا محوريًا في الحد من ظاهرة تقطع مشاريع الطاقة المتجددة عبر امتصاص فائض الكهرباء في ذروة الإنتاج وإعادة ضخه في الشبكة عند انخفاض التوليد.
تساهم هذه المنظومة المتكاملة في تمكين العديد من الدول من تجاوز معضلة "ساعات الكتف"، وهي الفترات الزمنية الفاصلة بين أوقات ذروة الطلب وفترات الانخفاض، بحيث تصبح هذه البطاريات مقترنة بالطاقة الشمسية وطاقة الرياح قادرة على توفير إمداد إجمالي أكثر استقرارًا وتكاملاً.
ورغم أن تحدي تقطع الإمدادات لم يشكل أزمة حقيقية في النرويج، نظرًا لامتلاكها معايير متفوقة في مجال الطاقة المائية المتجددة، إلا أن الرؤية هناك تؤكد أن "المرونة والتنوع" يظلان حجر الزاوية في نقاشات أمن الطاقة.
وتخلص هذه الرؤية المستقبلية إلى الحاجة للإبقاء على نسبة معينة من الغاز الطبيعي ضمن الشبكة، لمواجهة الفترات الطويلة التي قد يشح فيها الإنتاج المتجدد.
مفهوم "إضافة الطاقة"
هذا النقاش المتسارع يأتي بعد أشهر قليلة من قمة النفط السنوية في دولة الإمارات أواخر العام الماضي، والتي حاول خلالها قادة قطاع الوقود الأحفوري تغيير السردية السائدة؛ حيث روّج أقطاب الصناعة النفطية لمفهوم "إضافة الطاقة" كخيار استراتيجي لتأمين الإمدادات وتلبية الطلب المتزايد من قطاعات تكنولوجية ناشئة كالذكاء الاصطناعي.
ويقوم هذا المفهوم على تطوير مصادر متجددة كالشمس والرياح بالتوازي مع الوقود التقليدي، بدلاً من فكرة "انتقال الطاقة" التي تعني الاستغناء الكامل عن الوقود الأحفوري والتحول التام نحو الطاقة النظيفة.
وبالرغم من التغيير الملموس الذي أحدثته الحرب في السردية التقليدية لأمن الطاقة، فإن الاندفاع نحو مصادر بديلة في أوقات الأزمات ينطوي على تحديات جيوسياسية جديدة.
في هذا الإطار، برزت تحذيرات جدية من تداعيات مسارعة الدول الأوروبية نحو استيراد الغاز الطبيعي المسال الأمريكي في أعقاب الغزو الروسي الشامل لأوكرانيا مطلع عام 2022.
وأشار خبراء إلى أن المرحلة القادمة ستشهد تدفقات ضخمة من الغاز الطبيعي المسال إلى الأسواق الأوروبية، حيث سيأتي جزء رئيسي من هذه الإمدادات من الولايات المتحدة نتيجة لتدهور الأوضاع الجيوسياسية في المضيق.
محذرين من أن هذا التحول يجعل القارة الأوروبية رهينة للتقلبات السياسية لدولة واحدة تصنف حاليًا بأنها غير مستقرة سياسيًا على صعيد العلاقات الدولية، مؤكدين في الوقت ذاته أن الاعتماد على الكهرباء المولدة محليًا من مصادر متجددة يظل الحل الوحيد المحصن تمامًا ضد هذا النوع من الأزمات والضغوط الخارجية.














