تعيش مدينة فوشان الصينية، المعروفة بأنها واحدة من أكبر قلاع صناعة الأثاث في العالم، أزمة اقتصادية متصاعدة تهدد مستقبل قطاع ظل لعقود أحد أهم أعمدة الاقتصاد المحلي.
فالمدينة الواقعة جنوب الصين، والتي ارتبط اسمها لعشرات السنين بصناعة الأثاث والتصدير للأسواق العالمية، تواجه الآن موجة ثقيلة من إغلاق المصانع وتراجع الطلب وانهيار أرباح الشركات، في ظل استمرار تباطؤ الاقتصاد الصيني وتراجع سوق العقارات.
ووفقًا لتقارير اقتصادية صينية، تمثل صناعة الأثاث في فوشان نحو 35% من إجمالي إنتاج الأثاث في الصين، عبر قطاع تُقدَّر قيمته بنحو 700 مليار يوان، بما يعادل قرابة 97 مليار دولار، ويضم ما يقرب من 30 ألف شركة ومصنع.
لكن الصناعة التي كانت تُوصف لسنوات بأنها واحدة من قصص النجاح الاقتصادي في الصين، أصبحت تواجه اليوم ما يعتبره مراقبون أصعب اختبار منذ عقود.
موجة إفلاسات تضرب القطاع
خلال عام 2025، شهدت فوشان انهيار مئات الشركات العاملة في مجال الأثاث، مع ارتفاع واضح في معدلات الإفلاس والخروج من السوق.
وتشير التقديرات إلى سقوط نحو 300 شركة خلال عام واحد فقط، وهو ما يعكس حجم الضغوط التي تواجهها المصانع في ظل تراجع الطلب وضعف حركة التصدير.
كما انعكس هذا التراجع على أداء الاقتصاد المحلي للمدينة، بعدما هبطت معدلات النمو بشكل حاد مقارنة بالسنوات الماضية، في مؤشر واضح على عمق الأزمة التي تضرب القطاع الصناعي.
الرسوم الأمريكية تزيد الضغوط
الأزمة لم تكن داخلية فقط، إذ لعبت الرسوم الجمركية الأمريكية دورًا كبيرًا في زيادة الضغوط على الشركات الصينية.
فمع استمرار القيود التجارية وارتفاع الرسوم على المنتجات الصينية، تراجعت صادرات الأثاث القادمة من فوشان بصورة ملحوظة، بعدما كانت المدينة تعتمد بشكل أساسي على الأسواق الخارجية لتحقيق جزء كبير من إيراداتها.
ويرى محللون أن هذه الرسوم أضعفت القدرة التنافسية للمصانع الصينية، خاصة في ظل ارتفاع تكاليف التشغيل والشحن عالميًا.
حروب أسعار تلتهم الأرباح
وفي محاولة للبقاء داخل السوق، دخلت شركات الأثاث في منافسة شرسة على الأسعار، فيما يعرف داخل الصين بمصطلح “نيجوان”، أي المنافسة الداخلية المرهقة التي تدفع الشركات لخفض الأسعار بشكل مبالغ فيه.
وبحسب تقارير محلية، أصبحت بعض قطع الأثاث تُباع بأسعار تقل أحيانًا عن تكلفة إنتاجها، فقط من أجل الحفاظ على المبيعات والسيولة.
هذا الوضع تسبب في تآكل أرباح الشركات بشكل حاد، ودفع كثيرًا من المصانع الصغيرة والمتوسطة إلى الإغلاق أو تقليص نشاطها.
سوق العقارات يعمّق الأزمة
الضربة الأقوى جاءت من أزمة العقارات المستمرة في الصين، والتي أثرت بشكل مباشر على الطلب على الأثاث.
فمع تباطؤ شراء المنازل الجديدة وتراجع مبيعات الشقق، انخفض الإقبال على شراء الأثاث المرتبط بتجهيز الوحدات السكنية، وهو ما أصاب الصناعة بحالة من الركود.
كما زادت حالة الحذر لدى المستهلك الصيني في الإنفاق، مع استمرار الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف المعيشة.
مخاوف من استمرار التراجع
ورغم محاولات بعض الشركات التكيف مع الأوضاع الحالية، فإن حالة القلق لا تزال تسيطر على العاملين في القطاع، خاصة مع غياب مؤشرات قوية على تعافي سوق العقارات أو تحسن الطلب العالمي في المدى القريب.
ويخشى كثير من سكان فوشان أن تفقد المدينة تدريجيًا مكانتها التاريخية كواحدة من أهم عواصم صناعة الأثاث في العالم، بعدما أصبحت الأزمة الاقتصادية تضغط بقوة على قطاع كان يومًا مصدرًا رئيسيًا لازدهارها.













