لا يزال دخان المعارك يغطي سماء الشرق الأوسط، ودوي الانفجارات يتردد في أكثر من جبهة منذ قرابة ثلاث سنوات، وفي وسط هذا المشهد المليء بالتوترات الجيوسياسية، وحالة التأهب القصوى التي تعيشها إسرائيل، تتلألأ شاشات التداول باللون الأخضر وتتدفق المليارات من الاستثمارات الأجنبية وكأن طبول الحرب تعزف لحنًا مختلفًا تمامًا في أروقة المال والأعمال.
هذه المفارقة العجيبة تفرض تساؤلًا جوهريًا عن كيفية صمود وتوسع اقتصاد دولة تعيش حالة حرب شبه مستمرة، وتكمن الإجابة في أرقام تتحدى التوقعات التقليدية، حيث تشير البيانات الحالية إلى أن الاقتصاد الإسرائيلي في طريقه للتفوق على جميع دول مجموعة السبع، خلال عام 2026، مسجلًا طفرة تضع الأسواق العالمية، في حالة من الدهشة وتدفع المحللين لإعادة النظر في قواعد التأثير الاقتصادي للصراعات.
أرقام تتحدى جاذبية الأزمات
على الرغم من أن بنك إسرائيل خفض توقعاته للنمو في وقت سابق من هذا الشهر، متأثرًا بالأعمال العدائية المستمرة في المنطقة، فإن الصورة الكلية تظل مفاجئة بقوتها.
ولا يزال البنك المركزي يتوقع نموًا اقتصاديًا بنسبة 3.8% في عام 2026، وقال محافظ البنك أمير يارون، في منتصف أبريل، إن حل الصراعات الإقليمية قد يدفع هذا النمو ليقفز إلى 5.5% في العام المقبل.
وتتوافق هذه الرؤية المتفائلة مع تقديرات صندوق النقد الدولي، التي ترجح نمو الاقتصاد الإسرائيلي بنسبة 3.5% هذا العام، متجاوزًا الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي بشكل ملحوظ.
وفي الوقت الذي تعاني فيه دول كبرى من أعباء الديون المتراكمة، تحافظ إسرائيل على نسبة دين إلى الناتج المحلي الإجمالي تبلغ 69.8%، وهو معدل يقل كثيرًا عن متوسط مجموعة السبع البالغ 123.7%، كما استقر التضخم عند 1.9% في مارس، مسجلًا تراجعًا طفيفًا، رغم ارتفاع أسعار النفط عالميًا وتأثيرها على تكاليف المعيشة في دول غربية أخرى.
التكنولوجيا والدفاع.. قاطرة النجاة
لم تمنع الهجمات المتبادلة والتوترات المستمرة المستثمرين العالميين من ضخ أموال ضخمة في السوق الإسرائيلية، وشهد شهر مارس 2026 وحده إتمام أكبر صفقتين للاستثمار الأجنبي في تاريخ البلاد، ضمن قطاع الأمن السيبراني، حيث استحوذت جوجل على شركة ويز مقابل 32 مليار دولار، واشترت بالو ألتو نيتووركس شركة سايبر آرك، مقابل 25 مليار دولار.
وتفسر كيرين أوزييل، المحللة البارزة في وحدة الاستخبارات الاقتصادية، هذا الزخم الكبير، قائلة «صادرات السلع والخدمات عالية التقنية كانت العامل الرئيسي وراء عقدين من النمو القوي وخلق الثروات والاقتصاد حقق نموًا قويًا في مجالات أخرى تشمل تطوير موارد الغاز والصادرات الدفاعية».
وتضيف أوزييل، أن التركيبة السكانية الشابة ومستويات البطالة المنخفضة تلعب دورًا محوريًا في هذا الأداء القوي المستدام.
شقوق تحت السطح ومخاوف استهلاكية
رغم بريق الأرقام الكلية، يواجه الاقتصاد الداخلي تحديات حقيقية تفرضها لغة الميدان، ويرى جواو جوميز، أستاذ المالية في كلية وارتون للأعمال بجامعة بنسلفانيا، أن تأثيرات الحرب بدأت تتسرب إلى شرايين الاقتصاد الداخلي، وخاصة مع نقص العمالة بين الفئات العمرية الشابة التي تم حشدها للصراع. ويصاحب ذلك تراجع في الإنفاق الاستهلاكي بسبب المخاوف الأمنية وتضرر قطاع السياحة بشدة مما يضغط على الإيرادات الحكومية.
ويحذر جوميز، من التداعيات المستقبلية، موضحًا «الدين الحكومي ارتفع بشكل كبير، وسيتطلب تعديلًا ماليًا لكنه يظل قابلاً للإدارة شريطة أن تتمكن إسرائيل من تأمين إطار سلام، يسمح بتخفيض كبير ومستدام في الإنفاق الدفاعي ويحافظ على ثقة المستثمرين الأجانب وقاعدتها من الكفاءات».
وتتفق أوزييل مع هذه المخاوف، وتشير إلى أن أي هدنة محتملة ستكون بالغة الهشاشة، فعلى الرغم من إعلان إدارة ترامب مؤخرًا عن تمديد مهلة وقف إطلاق النار لإتاحة المزيد من الوقت لمفاوضات السلام مع إيران، وتأكيد ترامب للصحفيين في أواخر أبريل أنه لن يتسرع في إبرام اتفاق، فإن التوترات لا تزال قائمة. وتؤكد أوزييل، أن «أي هدنة ستكون ضعيفة للغاية وخطر تصرف إسرائيل بشكل أحادي يظل مرتفعًا».
أسواق المال تتحول من الصدمة إلى التطبيع
على شاشات البورصة تبدو الصورة أكثر إشراقًا وابتعادًا عن ضجيج المعارك، حيث قفز مؤشر تل أبيب 35 بحوالي 20% منذ بداية العام، متفوقًا على نظرائه في الأسواق المتقدمة الكبرى.
ويعكس هذا الأداء تحولًا جذريًا في سلوك المستثمرين، كما تصفه كارين شووك المؤسسة والرئيسة التنفيذية لمكتب لوسيد إنفستمنتس في تل أبيب.
وتقول شووك، إن «الأسواق لم تكن مرنة فحسب لقد كانت قوية بشكل ملحوظ إنه تحول حقيقي من الصدمة إلى التطبيع». وتشير إلى أن تدفقات رأس المال الأجنبي تتركز بقوة في قطاعات التكنولوجيا والمال والدفاع وتعتبر قوة العملة المحلية بمثابة إشارة واضحة على ثقة المستثمرين العائدة بقوة إلى السوق الإسرائيلية رغم التحديات الجيوسياسية.
المستقبل على المحك
يقف الاقتصاد الإسرائيلي اليوم على مفترق طرق حاسم، فالمؤشرات الحالية ترسم لوحة من الصمود المدهش المدعوم بقطاع تكنولوجي جبار واستثمارات أجنبية، لا تتوقف وقدرة عجيبة على عزل الأسواق المالية عن أزمات الميدان.
وفي النهاية يبقى السؤال المعلق في أروقة المال والسياسة يبحث عن إجابة حاسمة حول المدى الزمني الذي يمكن لقاطرة الاقتصاد أن تواصل فيه الاندفاع بقوة وتجاوز الاقتصادات العالمية الكبرى بينما تسير على سكة تحيط بها نيران الصراعات من كل جانب.













