يعد ارتفاع أسعار النفط وتجاوزه حاجز 100 دولار للبرميل اختبارًا قاسيًا للاقتصادات الكبرى، إلا أن التنين الصيني يبدو اليوم أكثر تماسكًا وقدرة على امتصاص الصدمات مقارنة بنظرائه في القارة الآسيوية، وذلك بفضل استراتيجية طاقة بدأت ملامحها تتشكل منذ عقدين من الزمن.
مخزونات صينية ضخمة في مواجهة ارتفاع أسعار النفط
تشير البيانات الاقتصادية أن الصين نجحت في بناء واحد من أضخم احتياطيات النفط الخام في العالم، حيث تملك حاليًا مخزونًا بريًا يُقدر بـ 1.2 مليار برميل، وهو ما يكفي لتغطية احتياجاتها لمدة تتراوح بين ثلاثة إلى أربعة أشهر.
ويرى الخبراء أن هذا المخزون الاستراتيجي يعمل كـ "مصدّ صدمات" يمنح بكين رفاهية الوقت لتأخير التأثيرات الانكماشية التي عادة ما تصاحب ارتفاع أسعار النفط المفاجئ في الأسواق العالمية.
ومع تصاعد التوترات الجيوسياسية في منطقة الشرق الأوسط، وتحديدًا حول مضيق هرمز الذي يمر عبره نحو 31% من تجارة النفط المنقولة بحرًا، تظهر الأرقام أن اعتماد الصين على هذا الممر الملاحي قد تراجع بشكل ملحوظ، فبينما يعتمد جيرانها الآسيويون بشكل كلي تقريبًا على واردات البحر، نجحت بكين في تنويع مساراتها عبر خطوط أنابيب برية من روسيا ودول آسيا الوسطى، مما جعل النفط المار عبر هرمز يمثل 6.6% فقط من إجمالي استهلاكها للطاقة.
تحول هيكلي يتحدى ارتفاع أسعار النفط
تكشف التحولات الهيكلية في قطاع النقل الصيني عن عمق الاستعداد الصيني؛ إذ تسببت الطفرة الكبيرة في استخدام الشاحنات والسيارات الكهربائية في إزاحة طلب فعلي على النفط يتجاوز مليون برميل يوميًا.
وتؤكد تقارير اقتصادية أن أكثر من نصف السيارات الركاب الجديدة المباعة في الصين هي مركبات تعمل بالطاقة النظيفة، مما يعني أن حساسية الاقتصاد الصيني تجاه ارتفاع أسعار النفط تتراجع سنوياً بفضل "كهربة" قطاع النقل.
وبالانتقال إلى قطاع توليد الكهرباء، نجد أن النفط والغاز لا يمثلان سوى 4% فقط من مزيج الطاقة اللازم لتشغيل المصانع والمدن الصينية، وهي نسبة ضئيلة جدًا مقارنة بمتوسط 40% إلى 50% في العديد من الدول الآسيوية الأخرى.
ويعتمد العملاق الآسيوي في إنتاج طاقته بشكل أساسي على الفحم المحلي، بالإضافة إلى نمو متسارع في القدرات المتجددة التي باتت توفر نحو 80% من الطلب الجديد على الطاقة.
وعلى الرغم من استمرار هيمنة الشركات الحكومية الكبرى على قطاع الوقود الأحفوري، إلا أن التوجه العام نحو "إزالة الكربون" وتحقيق أمن الطاقة يظل المحرك الأساسي للسياسة الصينية.
وبينما تكافح دول مثل الهند، التي تعتمد على استيراد ربع احتياجاتها البترولية، لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار النفط، تمضي الصين في تنفيذ خطتها لرفع حصة الوقود غير الأحفوري إلى 25% من إجمالي الاستهلاك بحلول عام 2030، مما يعزز حصانتها ضد تقلبات الأسواق العالمية والنزاعات المسلحة التي تهدد إمدادات الطاقة التقليدية.














