تواصل القوة الشرائية للدولار الأميركي تراجعها عبر العقود، مدفوعةً بموجات التضخم والزيادة المستمرة في حجم المعروض النقدي. وبحسب بيانات الاحتياطي الفيدرالي، سجّل الدولار انخفاضًا مطّردًا في قيمته الفعلية منذ مطلع القرن الماضي، إذ لم تعد قوة دولار واحد اليوم تعادل سوى بضعة سنتات من قيمته عام 1913، تاريخ تأسيس البنك المركزي الأميركي.
انخفاض القوى الشرائية للدولار
وتُظهر بيانات منصة FRED هذا التراجع بوضوح، من خلال مؤشر «القوة الشرائية لدولار المستهلك» المعتمد على أسعار السلع والخدمات في المدن الأميركية. ويعكس المؤشر أن ارتفاعه يُعد دليلاً على قوة شرائية أعلى، في حين يشير انخفاضه إلى صعود الأسعار وتآكل القدرة الشرائية للدولار.
منذ عام 1913، سجل الدولار الأميركي تراجعًا مستمرًا في قيمته الفعلية مقابل السلع والخدمات. في يناير من ذلك العام، بلغ المؤشر 1017.8، وهو المستوى المرجعي لبداية القياس. وبحلول يناير 1914، انخفض المؤشر إلى 994.2، واستمر في التراجع خلال السنوات التالية، مسجلاً 987.6 في 1915، و956.2 في 1916، و855 في 1917، قبل أن يشهد انخفاضًا حادًا في 1918 إلى 715.9. وفي أعوام 1919 و1920، واصل المؤشر تراجعه إلى 604.5 و517.7 على التوالي، قبل أن يشهد عام 1921 استقرارًا طفيفًا عند 524.9، ويتعافى قليلًا في 1922 إلى 590.2.
يمكن رصد أبرز موجات التضخم في التاريخ الأميركي عبر فترات الانخفاض الحاد، فقد شكّلت الحرب العالمية الأولى والثانية ضغطًا هائلًا على المالية العامة، مع تضخم الإنفاق الحكومي وتوسّع إصدار النقود لتمويل المجهود الحربي، ما أدى إلى قفزات حادة في الأسعار. وفي سبعينيات القرن الماضي، جاءت صدمات النفط لتضيف فصلًا جديدًا من التضخم، بعدما أدت الارتفاعات القياسية في أسعار الطاقة عالميًا إلى موجة غلاء واسعة طالت مختلف السلع والخدمات. وفي كلتا الحقبتين، كانت النتيجة واحدة وهي تآكل ملموس في القوة الشرائية للدولار الأميركي.
حتى عام 1971، ظل الدولار الأميركي مرتبطًا بالذهب، ما وفّر له غطاءً فعليًا يحد من التوسع في طباعة العملة. غير أن هذا النظام انهار عندما أعلن الرئيس ريتشارد نيكسون إنهاء قابلية تحويل الدولار إلى الذهب، في ظل إنتاج الولايات المتحدة دولارات تفوق احتياطياتها الذهبية، ومع تزايد مطالب الدول الأخرى باستبدال ما تملكه من دولارات بمعدن الذهب.
ورغم أن هذا القرار منح صانعي السياسات النقدية مساحة أوسع لإدارة الاقتصاد وتحريك أدوات السياسة المالية، فإنه في المقابل جعل عملية خلق النقود أكثر سهولة. ومن بين أكثر أشكال السيولة انتشارًا، العملة المتداولة والودائع الجارية، والأصول شبه السائلة مثل الودائع قصيرة الأجل وصناديق أسواق النقد وأدوات الادخار القابلة للتحويل.
كما يمكن أن يكون التوسع في المعروض النقدي مفيدًا إذا نما بشكل متوازن مع العوامل الاقتصادية الأساسية مثل حجم السكان، والناتج المحلي، والطلب على الائتمان. إلا أن هذا التوسع يتحول إلى عامل تضخمي عندما يتجاوز معدل النمو الاقتصادي الفعلي، ما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتآكل القوة الشرائية للعملة.
اقرأ أيضًا :
لماذا نمت أسعار الفضة بنحو 70% في عام 2025؟














