تصدر منظمة البلدان المصدرة للبترول “أوبك” توقعات متحفظة بشأن مستقبل السيارات الكهربائية، مؤكدة أن مركبات محركات الاحتراق الداخلي ستظل مهيمنة على الطرقات العالمية حتى عام 2050 وما بعده.
وتأتي هذه الرؤية، التي تتعارض بشكل حاد مع توقعات وكالة الطاقة الدولية وجهات أخرى، في وقت تراجع فيه حكومات وشركات كبرى عن أهدافها المناخية الطموحة، مما دفع المنظمة إلى تعديل توقعاتها لنمو الطلب على النفط صعودًا وتحذيرها من أزمة طاقة عالمية وشيكة في حال عدم زيادة الاستثمارات في الوقود الأحفوري.
وتستند رؤية “أوبك” إلى تحليل للتحديات الهيكلية التي تواجه التبني الشامل للمركبات الكهربائية، بالإضافة إلى النمو الاقتصادي المتوقع في الدول النامية، والذي ترى أنه سيعزز الطلب على مصادر الطاقة التقليدية لعقود قادمة.
وتتوقع “أوبك” أن يرتفع الأسطول العالمي للمركبات من 1.7 مليار مركبة حاليًا إلى 2.9 مليار مركبة بحلول عام 2050، لكنها تشير أن 72% من هذا الأسطول الضخم سيظل يعتمد على البنزين والديزل.
وعلى الرغم من النمو المتوقع في أعداد السيارات الكهربائية، ترى المنظمة أن تأثيرها في تحجيم الطلب العالمي على النفط سيظل محدودًا في المدى المنظور.
ويُرجع الأمين العام لمنظمة “أوبك”، هيثم الغيص، هذا التوقع إلى وجود عقبات كبيرة ومستمرة، أبرزها قصور شبكات الكهرباء الحالية عن تلبية الطلب المتزايد، والقدرة المحدودة على تصنيع البطاريات، وصعوبة الوصول إلى المعادن الحيوية اللازمة لهذه الصناعة.
وأضاف الغيص أن التوترات الجيوسياسية والعوائق التجارية، مثل الرسوم الجمركية التي فرضتها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي على كل سيارة كهربائية صينية، تزيد من تعقيد المشهد وتعيق انتشارها في الأسواق العالمية.
وترى المنظمة أن قطاع النقل البري سيظل أحد المصادر الرئيسة لنمو الطلب على النفط، متوقعة زيادة قدرها 5.3 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2050.
ويتسق هذا مع تصريحات وزير الطاقة السعودي، الأمير عبدالعزيز بن سلمان، الذي أكد أن النفط ومشتقاته يدخلان في صناعات حيوية كثيرة، بما في ذلك صناعة الطاقات الجديدة مثل توربينات الرياح وبطاريات السيارات الكهربائية نفسها.
على الرغم من ثقة “أوبك” في توقعاتها الحالية، فإنها تواجه تشكيكًا من جهات مثل “بلومبرغ إن إي إف”، التي تشير أن توقعات المنظمة السابقة كانت خاطئة بشكل كبير.
ففي عام 2015، توقعت المنظمة وصول عدد السيارات الكهربائية بالكامل إلى 4.7 مليون سيارة على مستوى العالم بحلول عام 2040، وهو رقم تم تحقيقه بالفعل في بداية عام 2020، أي قبل 20 عامًا من الموعد المتوقع.
وفي المقابل، من الجدير بالذكر أن التوقعات شديدة التفاؤل بانتشار السيارات الكهربائية كانت أيضًا بعيدة عن الواقع، ففي عام 2015، توقعت شركة “آرك إنفست” أن تصل مبيعات السيارات الكهربائية إلى 17 مليون سيارة بحلول عام 2022، بينما كان الرقم الفعلي أقل من 8 ملايين، وهو ما يوضح مدى صعوبة التنبؤ بمسار التحول في قطاع النقل العالمي.
وراجعت أوبك توقعاتها للطلب على النفط صعودًا، متوقعة الآن أن يصل الطلب العالمي إلى 123 مليون برميل يوميًا بحلول عام 2050، دون الوصول إلى ذروة خلال هذه الفترة.
وتُرجع المنظمة هذا التعديل إلى تراجع الحكومات والشركات عن أهداف الحياد الكربوني بعد اصطدامها بالواقع وتكاليفه الباهظة، معتبرة أن فكرة التخلص التدريجي من الوقود الأحفوري بحلول عام 2050 هي “خيال”.
ويرى مراقبون أن تحالف أوبك بلس يستفيد من هذا الواقع لتعزيز موقفه في السوق، وهي رؤية تتّسق مع تحذيرات وزير الطاقة السعودي من أن التحول في الطاقة لا يجب أن يأتي على حساب النمو الاقتصادي وتكاليف المعيشة، مشيرًا إلى أن الوقود الأحفوري سيظل دوره محوريًا في المستقبل.
ويؤكد تحالف أوبك بلس باستمرار على ضرورة تحقيق توازن بين أمن الطاقة وأهداف المناخ، محذرًا من أن نقص الاستثمار في النفط والغاز سيؤدي حتمًا إلى أزمة طاقة خانقة تهدد استقرار الاقتصاد العالمي، وتؤثر على قدرة المستهلكين على امتلاك حتى سيارة كهربائية واحدة.