تتزايد المخاوف من تحول الفضاء الخارجي إلى ساحة حرب في ظل التطورات السريعة التي تشهدها علوم الفضاء والسباق نحو الاستكشاف هناك بين القوى الكبرى عالميًا. وفي ظل هذا التنافس الشرس خصوصًا بين الولايات المتحدة وروسيا بمشاركة نحو 60 دولة أخرى، باتت الهجمات المنسقة بالأقمار الصناعية من بين أكبر تلك المخاوف.
بداية لحرب عالمية جديدة
حذّر عالم الفيزياء الفلكية جوناثان ماكدويل من انتقال النزاعات الدولية إلى الفضاء، مؤكدًا أن أي هجوم على الأقمار الصناعية قد يكون بمثابة شرارة حرب عالمية جديدة. موضحًا في مقال منشور في مجلة "علماء الذرة" (Bulletin of the Atomic Scientists) بتاريخ يوليو 2025، أن الاعتماد المكثف على الأقمار الصناعية في مجالات الاتصالات والاستخبارات وتوجيه الأسلحة يجعلها أهدافًا سهلة للصراعات العسكرية، وتدمير واحد منها قد يشل أنظمة القيادة والسيطرة ويؤجج التوترات على مستوى عالمي.
ويشير ماكدويل إلى صعوبة تحديد المسؤولية عند تعطل الأقمار، فالأسباب قد تتراوح بين أعطال تقنية، أو حطام فضائي، أو هجمات سيبرانية، أو استخدام أسلحة متطورة، وهو ما قد يفضي إلى ردود فعل عسكرية متسرعة تستند إلى استنتاجات خاطئة. كما لفت الانتباه إلى خطر "متلازمة كيسلر"، حيث تتسبب الحوادث أو الهجمات على الأقمار الصناعية في انتشار شظايا قد تدمر أقمارًا أخرى، مما قد يجعل استخدام الفضاء المستقبلي غير ممكن لعقود.
وبحسب ماكدويل، لا يقتصر التنافس بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا على سباق الوصول إلى القمر، بل يشمل السيطرة على المدارات الاستراتيجية، مع تطوير تقنيات تسمح بالتلاعب بالأقمار الصناعية أو حتى اختطافها ميكانيكيًا. ويقترح ماكدويل خطوات للحد من هذه المخاطر، تشمل إنشاء خطوط اتصال سريعة للتعامل مع الحوادث المدارية، وإبرام معاهدات دولية تمنع اختبارات الأسلحة التي تولد حطامًا دائمًا، وزيادة الشفافية حول أهداف الأقمار الصناعية لتقليل سوء الفهم بين الدول.
ويشير ماكدويل إلى أن أي حرب في الفضاء ستكون بلا فائز، إذ يمكن أن تؤدي إلى انهيار البنية التحتية العالمية — من الإنترنت إلى نظم الملاحة والخدمات المالية — وتعيد البشرية عقودًا إلى الوراء قبل أن يبدأ أي قتال على الأرض.
عصب الجيوش الحديثة
يصف المحلل العسكري، بيتر سينغر، الأقمار الصناعية بانها "الجهاز العصبي" للجيوش الحديثة، إذ يعتمد الجيش الأمريكي على هذه الأنظمة في نحو 80% من اتصالاته، بما في ذلك الإنذار المبكر للأسلحة النووية. مؤكدًا أن أي هجوم عليها قد يشل القدرات العسكرية ويصعد النزاع بسرعة. وتؤكد التجارب السابقة هذه المخاطر، ففي عام 2007 دمرت الصين قمرًا صناعيًا تجريبيًا، ما أنتج آلاف الشظايا الفضائية التي تهدد الأقمار الأخرى. كما أظهرت تجارب صاروخية في 2013 أن الأقمار في المدار الثابت لم تعد محصنة، ما يزيد من احتمال وقوع حوادث أو هجمات تُفسّر خطأً كعمل عدائي.
ويرى خبراء أن التنافس بين الولايات المتحدة، والصين، وروسيا يتجاوز مجرد الوصول إلى القمر، ليشمل السيطرة على المدارات الاستراتيجية. كما أن تطوير تقنيات لإيقاف أو التلاعب بالأقمار أصبح جزءًا من التفكير العسكري، بينما الهجمات الإلكترونية تضيف بعدًا جديدًا للتهديدات، والتي تتيح للدول أو حتى الجماعات المسلحة استهداف أنظمة حساسة دون حيازتها على صواريخ مضادة مباشرة.
وعلى مدى عقود، حافظت معاهدة الفضاء الخارجي واتفاقيات التعاون الدولي على منع انتشار أسلحة الدمار الشامل في المدار. لكن اليوم، مع تزايد الاعتماد على الأقمار وتوسع مصالح الدول والشركات، يبقى الفضاء ساحة توتر محتملة. ويحذر سينغر، "يمكن للفضاء أن يكون مجالًا للابتكار العلمي والتعاون، لكنه أيضًا ساحة يمكن أن تتحول فيها المنافسة إلى صراع حقيقي".
عسكرة الفضاء
يؤكد الدكتور ديمتريوس سترويكوس، الباحث في جيوسياسة الفضاء بمدرسة لندن للاقتصاد والعلوم السياسية، أن الأصول الفضائية أصبحت جزءًا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، سواء في الاتصالات، الإنترنت الفضائي، التنبؤ بالطقس، أو الملاحة، مع امتلاك أكثر من 70 دولة هذه القدرات لأغراض اجتماعية واقتصادية. لكنه يشير إلى أن المنافسة في الفضاء تتعدد طبقاتها، من برامج القيادة إلى الاستكشاف القمري، حيث تروّج الولايات المتحدة لبرنامج "أرتميس" لإعادة رواد الفضاء إلى القمر، بينما تكشف الصين وروسيا عن خطط لمحطة أبحاث قمرية دولية، ويبرز مثال محطة الفضاء الدولية مقابل محطة الصين الفضائية الخاصة.
ويؤكد سترويكوس في لقاء على قناة "الجزائر الدولية" أن "عسكرة الفضاء" تختلف عن نشر أسلحة فعلية، فالاستخدام العسكري للأقمار لدعم المراقبة والاستخبارات والاتصالات والإنذار المبكر أساسي للردع النووي، بينما تطور الدول أسلحة مضادة للأقمار الصناعية، وهو ما يزيد خطر الحطام الفضائي ويهدد جميع مستخدمي المدار. ويشير إلى أن الحطام الحالي وصل إلى مستويات حرجة تعرف بـ"متلازمة كيسلر"، حيث تصادم القطع الصغيرة قد يؤدي إلى سلسلة من الاصطدامات تعيق الوصول إلى الفضاء مستقبلًا.
ويبرز سترويكوس أيضًا دور الخصخصة وتسويق الفضاء، مع بروز شركات مثل "ستارلينك" لتوفير الإنترنت الفضائي، ما يطرح تحديات قانونية وأخلاقية حول استخدام الفضاء لأغراض اقتصادية وعسكرية وتجارية في الوقت ذاته، خاصة أثناء النزاعات مثل الحرب الأوكرانية.
ويشير سترويكوس إلى أهمية معاهدة الفضاء الخارجي كإطار قانوني يحافظ على السلام ويحد من عسكرة الفضاء، لكنه بحاجة لتحديث لمواكبة أسلحة جديدة مثل المضادة للأقمار الصناعية، ووضع معايير للسلوك المسؤول. ويختتم بالقول إن التوازن بين التعاون الدولي والمنافسة بين القوى العظمى سيكون الحاسم لضمان استخدام الفضاء للأغراض السلمية وحماية مصالح جميع الدول.
في النهاية، يشير الخبراء، إلى أن أن عام 2026 يمثل نقطة تحول حاسمة؛ فالفضاء لم يعد مجرد منطقة مفتوحة للاكتشاف العلمي، بل أصبح ساحة استراتيجية تتحدد فيها السيادة الوطنية بالقوة العسكرية، ما يجعل الاستثمار الدفاعي في الفضاء أولوية عالمية لا يمكن تجاهلها.
اقرأ أيضًا:
أقمار التجسس.. عيون استخباراتية في الفضاء














