تُعد أقمار التجسس أو ما يُعرف رسميًا بأقمار الاستطلاع الاستخبارية، أقمارًا صناعية تدور حول الأرض بهدف جمع معلومات استخباراتية وتحليل بيانات عسكرية واستراتيجية. وتُستخدم هذه الأقمار من قِبل الدول ووكالات الاستخبارات لتوفير تغطية مستمرة للمناطق المستهدفة، وتمكن صانعي القرار العسكري من الحصول على فهم شامل للبيئة الاستراتيجية.

وتُصنف الأقمار التجسسية بناءً على نوع المعلومات التي تجمعها وكيفية استخدامها، ومن أهم أنواعها:

أقمار جمع الصور

تُعتبر الأقمار الاستخبارياتية المسؤولة عن التقاط الصور أو IMINT أحد الأدوات الأساسية في منظومات الاستطلاع الحديثة، حيث تلتقط صورًا فائقة الدقة لسطح الأرض من المدار وتستخدم هذه الصور لرصد المنشآت العسكرية ومتابعة تحركات القوات ومراقبة المطارات والبنى التحتية الحساسة، ما يمنح القيادات وصنّاع القرار معلومات دقيقة تسهم في تقييم المواقف واتخاذ القرارات الاستراتيجية.

ويتم جمع هذه البيانات عبر أنظمة تصوير متقدمة تنقلها الأقمار إلى مراكز التحليل الأرضية، حيث تخضع للمعالجة والتفسير ضمن سياق استخباراتي شامل، وتعتمد تلك الأقمار على كاميرات كهروبصرية رقمية عالية الحساسية قادرة على إنتاج صور واقعية دقيقة تُظهر تفاصيل صغيرة على الأرض بما في ذلك المركبات والتحصينات الميدانية، ويتيح التطور المستمر في الحساسات والعدسات وأنظمة التثبيت البصري تحقيق مستوى عالٍ من الدقة.

ولا يقتصر استخدام هذه الصور على الأغراض العسكرية فقط بل تشمل التحقق من اتفاقيات الحد من التسلح ورصد الكوارث الطبيعية وتحليل التغيرات الجغرافية والبيئية على المدى الطويل. ومن أبرز أنظمة أقمار IMINT عالميًا سلسلة KH-11 الأمريكية التي تشغلها الولايات المتحدة عبر مكتب الاستطلاع الوطني NRO، وكذلك سلسلة Yaogan الصينية فهي العمود الفقري لبرنامج الاستطلاع الفضائي الصيني.

أقمار الرادار

تُعد تقنية رادار الفتحة التركيبية SAR من أكثر الأنظمة تطورًا في الأقمار الصناعية الاستخباراتية، حيث تتيح جمع صور دقيقة للأرض في جميع الظروف الجوية وعلى مدار الساعة ولكنها أقل دقة من الصور الضوئية. وتعتمد هذه الأقمار على إرسال نبضات رادارية واستقبال الانعكاسات لإنشاء خرائط ثلاثية الأبعاد لسطح الأرض، وتستخدم لمراقبة البنى التحتية الحيوية ورصد التغيرات الجغرافية والمناخية.

ومكّن التقدم في التقنيات الرادارية الدول من تطوير أقمار مخصصة للاستخبارات مثل سلسلة Lacrosse أو Onyx الأمريكية التي تشغلها وكالة NRO، وتتميز بقدرتها على تصوير الأرض بدقة عالية حتى في وجود السحب والظلام الدامس. وتعد هذه الأقمار من أبرز الأمثلة على تطبيق SAR في الاستطلاع العسكري وتبعتها أقمار Topaz ضمن برنامج Future Imagery Architecture، والتي توفر قدرات محسنة للمراقبة الرادارية العالمية مزودة بهوائيات أكبر قادرة على تصوير المناطق المستهدفة في الليل أو خلال الظروف الجوية الصعبة.

أما من الجانب الإسرائيلي فقد أطلق قمر Ofek‑13 في مارس 2023 ليكون جزءًا من منظومة الأقمار الاستطلاعية ويعمل بنظام SAR لتقديم مراقبة مستقلة وموثوقة للمنشآت الحيوية والأنشطة العسكرية بغض النظر عن ضوء النهار أو الظروف الجوية.

أقمار الإشارات

أقمار استخبارات الإشارات SIGINT واحدة من الأدوات الحيوية في جمع المعلومات الاستخباراتية من الفضاء، حيث تلتقط هذه الأقمار كل أنواع الإشارات الإلكترونية المنبعثة من الرادارات وأنظمة الدفاع والاتصالات اللاسلكية حتى المشفّر والمعقد منها، وتعمل على تحليلها لتقديم رؤية دقيقة عن قدرات العدو ونواياه وكشف مخططاته.

وتشمل أنظمة SIGINT نوعين رئيسيين هما COMINT الذي يختص باعتراض الاتصالات الصوتية والنصية بين الأفراد والمجموعات، وELINT الذي يركز على جمع الإشارات غير الاتصالية مثل انبعاثات الرادارات وأجهزة الاستشعار الإلكترونية. وتُستخدم هذه الأقمار في برامج متعددة حول العالم أبرزها السلسلة الأمريكية Orion/Advanced Orion؛ التي تعمل في مدارات عالية وتتمكن من اعتراض مجموعة واسعة من الإشارات عبر هوائيات متقدمة وتُدار من مواقع استراتيجية مثل Pine Gap وMenwith Hill. كما تُعد أقمار Magnum جزءًا من تاريخ برامج SIGINT الأمريكية قبل أن تُستبدل بأنظمة أحدث وقد أتاح هذا التطور متابعة الاتصالات والرادارات على نطاق عالمي وتحليل المعلومات بشكل مستمر لدعم القرارات العسكرية والأمنية.

أقمار القياس الحرارية

تُعد أقمار القياس والتوقيع MASINT فرعًا متخصصًا من الاستخبارات؛ يركّز على جمع وتحليل البيانات المستمدة من خصائص الأجسام والظواهر الطبيعية مثل: الانبعاثات الحرارية والأشعة تحت الحمراء والتواقيع الكيميائية والنووية. وتتيح هذه التقنية تحديد الخصائص المميزة للأهداف والأنشطة العسكرية أو التقنية بدقة عالية.

ويعتمد MASINT على استخدام حساسات متقدمة لتحليل هذه الإشارات واستخلاص معلومات استراتيجية دقيقة تختلف عن المعلومات التي توفرها أنظمة SIGINT أو IMINT، وتُستخدم في مجموعة واسعة من التطبيقات بما في ذلك رصد الإطلاقات الصاروخية والتنبيه المبكر للتجارب النووية ومراقبة التحركات العسكرية. وتعتبر قمار القياس أداة أساسية لدعم اتخاذ القرارات الأمنية والعسكرية من خلال تقديم بيانات تحليلية تقنية وعلمية تساعد في التعرف على التهديدات قبل ظهورها بشكل مباشر.

اقرا أيضًا:
الأقمار الصناعية في الفضاء.. أنواعها ومداراتها
اقتصاد الفضاء.. ساحة جديدة للمنافسة العالمية
سباق الهيمنة على الفضاء.. من الحرب الباردة إلى الهيمنة الحديثة