يتحول الفضاء تدريجيًا من مجال استكشاف علمي إلى ساحة اقتصادية حيوية تفتح مجالًا جديدًا للمنافسة العالمية، حيث يلتقي الابتكار التقني مع الاستثمارات الحكومية والخاصة لتشكيل مستقبل السوق الفضائي في المستقبل الذي بات محورًا رئيسيًا للنمو العالمي.

قفزة قياسية في اقتصاد الفضاء العالمي

وصل اقتصاد الفضاء العالمي في عام 2024 إلى مستوى قياسي، حيث بلغ إجمالي الإنفاق والاستثمارات 613 مليار دولار، محققًا نموًا سنويًا قدره 7.8%. ويستحوذ القطاع التجاري على الجزء الأكبر من السوق بنسبة 78% بقيمة 480 مليار دولار، في حين تمثل الميزانيات الحكومية نحو 22% بإجمالي يتراوح بين 132 و135 مليار دولار، بما في ذلك 77 مليار دولار خصصتها الولايات المتحدة لبرامج الأمن القومي والفضاء المدني. ويعد قطاع خدمات الملاحة وتحديد المواقع والتوقيت (PNT) الأسرع نموًا في القطاع التجاري، إذ بلغ حجمه 231.4 مليار دولار، مساهماً بشكل رئيسي في تحفيز الاقتصاد الفضائي.

وشهد الإنفاق الحكومي ارتفاعًا بنسبة 6.7%، مع تركيز واضح على برامج الدفاع وتطوير قدرات فضائية عسكرية سيادية. كما أن الصين أنفقت نحو 17.3 مليار دولار على الفضاء، بما في ذلك القطاع التجاري، وأطلقت 13 مركبة فضائية تجارية خلال النصف الأول من 2025، في حين أطلقت الولايات المتحدة 87 مركبة خلال الفترة نفسها.

ويبرز تسارع وتيرة إطلاق الأقمار الصناعية قوة القطاع التجاري، حيث وصل معدل الإطلاق إلى قمر صناعي كل 28 ساعة في النصف الأول من 2025، وهو معدل أسرع بست ساعات من الرقم القياسي لعام 2024، مع استحواذ شركة سبيس إكس على أكثر من نصف هذه العمليات. ويستمر النمو مدفوعًا بتوسيع كوكبات النطاق العريض مثل Starlink وAmazon Kuiper، وتطبيقات مراقبة الأرض، والبنية التحتية الفضائية، ما يعزز التوقعات بوصول اقتصاد الفضاء إلى تريليون دولار بحلول عام 2032، مدفوعًا بالابتكار التجاري والطلب العالمي المتزايد على خدمات الفضاء.

ويشير تقرير The Space Report 2025 Q2 الصادر عن Space Foundation إلى أن الاقتصاد الفضائي العالمي يسير على مسار نمو مستمر، مع توقع تجاوز قيمته حاجز التريليون دولار بحلول عام 2032. ويستمر القطاع في التوسع بوتيرة قوية، مع تقديرات تشير إلى إمكانية بلوغ اقتصاد فضائي بقيمة 2 تريليون دولار بحلول عام 2040، مدفوعًا بالأنشطة التجارية الفضائية المتنامية والاستثمارات المستمرة في مجالات الدفاع والاتصالات ومراقبة الأرض.

قادة الإنفاق الفضائي

في عام 2025، استمر الإنفاق الحكومي على قطاع الفضاء في تصاعده، مسجلاً أرقامًا قياسية تعكس الأهمية المتزايدة للبحث العلمي، واستكشاف الفضاء العميق، والبرامج العسكرية. وبحسب بيانات وكالة "ناسا" بلغ طلب الميزانية السنوي لوكالة ناسا الأمريكية نحو 25.4 مليار دولار، وهو الرقم الذي يعكس التزام الولايات المتحدة بمواصلة الاستثمار في البعثات العلمية والتقنية واستكشاف الكواكب والفضاء الخارجي.

وبالنسبة للقوة الفضائية الأمريكية (U.S. Space Force)، فقد خصصت لها وزارة الدفاع الأمريكية ميزانية قدرها 29.4 مليار دولار ضمن الإنفاق الدفاعي العام، بهدف تعزيز القدرات العسكرية الفضائية، بما في ذلك الدفاع عن الأقمار الصناعية والبنية التحتية الحيوية. أما الصين، فتقدر ميزانية وكالة الفضاء الصينية (CNSA) بما يزيد على 14 مليار دولار تقريبًا، رغم محدودية البيانات الرسمية، ما يعكس استمرار بكين في تعزيز برامجها الفضائية التجارية والعسكرية، مع تركيز خاص على تطوير القدرات الصناعية الوطنية والاستكشاف المستقل للفضاء.

وعلى الصعيد الأوروبي، خصصت وكالة الفضاء الأوروبية (ESA) في نهاية عام 2025، ميزانية إجمالية تقارب 22.1 مليار يورو موزعة على أساس ثلاث سنوات مقبلة، لتعزيز البرامج العلمية والتقنية المشتركة بين الدول الأعضاء. وفي آسيا، سجلت الهند، عبر وكالتها الفضائية الوطنية (ISRO)، ميزانية قدرها 1.6 مليار دولار في عام 2025، وهو مبلغ مخصص لتطوير البنية التحتية للأقمار الصناعية، وإطلاق الصواريخ، ودعم البحوث العلمية.

وفي اليابان، خصصت وكالة الفضاء جاكسا (JAXA)، مبلغ 6.7 مليار دولار ضمن صندوق يمتد لعشر سنوات لدعم الابتكار التقني، وتعزيز البحث العلمي، وتطوير تطبيقات مرتبطة بالأمن، بالإضافة إلى تنفيذ مجموعة واسعة من المشاريع التقنية المتقدمة.

أبرز قطاعات الإنفاق على الفضاء

يشير تقرير Space Foundation للربع الثاني من عام 2025 إلى أن القطاع التجاري يسيطر على الجزء الأكبر من الاقتصاد الفضائي، حيث يمثل نحو 78% من إجمالي الإنفاق، مقابل 22% للحكومات. في المقابل، شهد الإنفاق العسكري الفضائي زيادة ملحوظة، مع تخصيص حوالي 29.4 مليار دولار للقوات الفضائية الأمريكية ضمن ميزانية الدفاع للعام المالي 2025، ما يعكس الاهتمام المتصاعد بالأمن الفضائي. أما الاستثمارات في استكشاف الفضاء العميق، بما في ذلك برنامج أرتميس التابع لوكالة ناسا، فهي تمثل جزءًا مهمًا من الميزانيات الحكومية.

وخلال العام المنصرم، شهد قطاع تكنولوجيا الفضاء (SpaceTech) نشاطًا استثماريًا ملحوظًا، حيث أظهرت البيانات أن إجمالي استثمارات رأس المال الاستثماري في الشركات الناشئة المتخصصة بالفضاء بلغ نحو 3.3 مليار دولار، موزعة على حوالي 166 صفقة حتى منتصف العام. ما يعكس ثقة المستثمرين في نضج هذا القطاع وقدرته على تحقيق عوائد طويلة الأجل.

وفي مجال التعدين الفضائي، تظهر تقارير سوقية مثل Space Mining Market Overview أن الاستثمارات في استخراج الموارد من الأجرام الفضائية، بما في ذلك الماء والمعادن والمواد الخام، تتزايد من قبل القطاعين العام والخاص. وتشمل هذه الاستثمارات التقنيات الداعمة للتعدين البعيد المدى مثل الطباعة ثلاثية الأبعاد في المدار، والروبوتات، وأنظمة الاستدامة.

أما في قطاع إزالة الحطام الفضائي، فقد حصلت شركات ناشئة على تمويل مخصص لتطوير حلول مبتكرة، مثل شركة Odin Space البريطانية، التي طورت تقنيات لرصد الجسيمات غير القابلة للتتبع في المدار، بينما عقدت شركة Astroscale شراكات تجارية مع شركات في الهند واليابان لتعزيز خدمات إزالة المخلفات الفضائية.

اقرأ أيضًا:
سباق الهيمنة على الفضاء.. من الحرب الباردة إلى الهيمنة الحديثة
حين يتحول الفضاء إلى ساحة حرب.. ما هي أسلحة الصراعات الفضائية؟
السيطرة على الفضاء.. صراع صامت بين القوى العظمى