في عمق بادية منطقة تبوك، حيث تمتد الرمال وتتداخل الحكايات مع تفاصيل الحياة اليومية، ظلّ الكرداش والمغزل رفيقين أساسيين للنساء في صناعة بيت الشعر والسدو، هناك، لم تكن هذه الأدوات مجرد وسائل عمل، بل جزءًا من ذاكرة المكان وروح الحرفة التي توارثتها الأجيال.
كانت البداية دائمًا مع الصوف وشعر الماعز، يُجمع بعناية قبل أن يُوضع بين لوحي الكرداش الخشبيين، حيث تتراص الأسنان الحديدية الدقيقة لتبدأ مهمة فك التشابك وإعادة ترتيب الألياف، ومع كل حركة، يلين الشعر أكثر، ويغدو أكثر تجانسًا واستعدادًا لرحلته التالية نحو الغزل، بحسب وكالة الأنباء السعودية "واس".
الألياف تتحول إلى خيوط حياة وذاكرة
ومع انتهاء هذه المرحلة، لا يتوقف العمل، بل ينتقل إلى مرحلة النفش والتهيئة، وكأن الألياف تُستعد لولادة جديدة. ثم يظهر المغزل، ذلك العصا الخشبية الرفيعة التي يحمل في طرفها قرص صغير على شكل حرف "إكس"، ليدور بخفة وهو يلتف حول الصوف المنفوش، محولًا إياه إلى خيوط متينة تصلح للحياكة والنسج.
وفي حديثها عن هذه الحرفة، تصف الحرفية سارة العطوي هذا العمل بأنه ليس مجرد صناعة تقليدية، بل إرث ثقافي يعكس حياة البادية في تبوك وقيمها الأصيلة، حيث يتداخل العمل اليومي مع المعنى والهوية.
وتشير إلى أن هذا التراث ما زال حاضرًا في المهرجانات والفعاليات الثقافية التي تسعى لإحياء الموروث الشعبي وتعريف الأجيال الجديدة به، ليبقى حيًا في الذاكرة الجماعية.
وهكذا، لم تكن خيوط الصوف مجرد مادة خام، بل خيوطًا تنسج معها الحكايات، وتُبنى بها بيوت الشعر، وتُحفظ بها ملامح الحياة البدوية بكل ما فيها من صبر وإتقان وتوارث للمهارة عبر الزمن.
"السدو" تراث سعودي في كأس العالم
وفي مشهد يجمع بين التراث والحداثة، يواصل المعهد الملكي للفنون التقليدية "ورث" إبراز الهوية الثقافية السعودية في المحافل العالمية، من خلال تصميم أعلام التبادل الخاصة بالمنتخب السعودي في كأس العالم 2026، مستلهمًا تفاصيلها من فن السدو المسجل ضمن التراث الثقافي غير المادي، بحسب "واس".
وقبل انطلاق المباريات، تتبادل المنتخبات هذه الأعلام في لحظة رمزية تعبّر عن الاحترام والتقدير، لكن "ورث" حوّلها إلى مساحة سردية للهوية، تتجاوز حدود المنافسة الرياضية.
جاءت التصاميم مستوحاة من نقوش السدو التقليدية، بما تحمله من دلالات الانتماء والكرم والترابط، وزُينت بألوان مستمدة من طبيعة السعودية ومشهد الخزامى في صحاريها، لتصبح كل راية سردًا بصريًا يعكس امتداد الثقافة السعودية.
ولم تكن هذه الأعلام مجرد تصميم، بل صُنعت يدويًا على أيدي طلاب برنامج "تلمذة السدو"، في تجربة تنقل الحرفة من جيل إلى آخر، وتمنحها حضورًا معاصرًا في المحافل الدولية.
ومع كل مباراة، سواء انتهت بالتأهل أو الوداع، يبقى علم التبادل شاهدًا على رسالة تتجاوز النتائج، ليحمل تراث السدو إلى العالم بوصفه رمزًا للهوية السعودية وامتدادًا ثقافيًا لا يرتبط بلحظة فوز أو خسارة.














