تتوالى موجات الحر الشديدة لتجتاح معظم أنحاء نصف الكرة الشمالي، محطمة الأرقام القياسية لدرجات الحرارة، وفي غمرة هذا القيظ، يُثار تساؤل مهم "لماذا يُسمح لأباطرة النفط والغاز بزيادة إنتاجهم بدلًا من إجبارهم على تحمل عواقب جشعها المالي؟" متجاهلة ما تم الاتفاق عليه في قمم المناخ.
وتتحمل شركات الوقود الأحفوري نصيبًا غير متناسب من المسؤولية عن التغير المناخي، ومع ذلك، لا تزال مدفوعة بحوافز مالية ضخمة لمواصلة تدمير المنظومة البيئية، ولن تتوقف هذه الحوافز العكسية ما لم تتدخل الحكومات لاستبدال الدعم السخي الذي تقدمه لهذه الشركات بضرائب تصاعدية صارمة على الأرباح غير المتوقعة.
وبات الإجماع العلمي قاطعًا، فكلما زاد حرق الوقود الأحفوري ارتفعت حرارة الكوكب، وتؤكد أحدث الدراسات العلمية لتحديد أسباب الظواهر الجوية أن موجات الحر الأشد والأوسع انتشارًا التي تضرب القارة الأوروبية ما كانت لتحدث لولا التغير المناخي الناتج عن النشاط البشري.
شركات النفط تتجاهل الوعود الخضراء
على الرغم من وضوح المؤشرات البيئية، تخطط شركات النفط الكبرى لتفاقم الوضع المتردي، مدفوعة بمعادلة بسيطة تقول إن زيادة الاستهلاك تعني عوائد طائلة، وقد ساهم الارتفاع الأخير في أسعار النفط، المدفوع بالتوترات والحروب في منطقة الشرق الأوسط، في إنعاش خزائن هذه الشركات، ما يمهد الطريق لإنفاق استثماري ضخم على حفر آبار نفطية جديدة.
ويكشف تحليل حديث لمركز التحول المناخي في كلية لندن للاقتصاد والعلوم السياسية عن سباق محموم بين عمالقة الطاقة لاستخراج المزيد من باطن الأرض، وتهدف شركات كبرى مثل "شل" و"إكسون موبيل" و"شيفرون"، إلى جانب 7 شركات أخرى مدرجة في البورصة، إلى زيادة إنتاجها بنسبة تتجاوز 14% في المتوسط بحلول عام 2030.
هذا التوسع يمثل تراجعًا صريحًا عن أهداف اتفاقية باريس للمناخ، والتي تزعم هذه الشركات الالتزام بها، وللحد من الاحتباس الحراري العالمي ضمن نطاق آمن، يتوجب خفض الإنتاج العالمي خلال هذا العقد، وليس زيادته بنسب تتجاوز كثيرًا السيناريوهات المتشائمة للوكالة الدولية للطاقة، والتي تحذر من أن استمرار هذا المسار سيقود الأرض إلى ارتفاع كارثي في الحرارة يصل إلى 2.9 درجة مئوية بنهاية القرن الـ21.
أرباح شركات النفط تهدد صلاحية الكوكب
لقد كانت تحذيرات الوكالة الدولية للطاقة حاسمة ومباشرة، إذ أكدت أنه لا يمكن إطلاق مشاريع جديدة طويلة الأجل لاستكشاف أو تطوير النفط والغاز إذا أردنا تحقيق هدف اتفاقية باريس، فلماذا تصر الشركات على الضخ بكميات أكبر؟ يعود ذلك إلى أن مسؤوليها التنفيذيين يخضعون لمنظومة توجه بوصلتها الأخلاقية نحو تعظيم القيمة المالية للمساهمين فحسب، متجاهلين تمامًا الحفاظ على كوكب الأرض كبيئة صالحة للحياة، ولحماية هذا الوضع الشاذ، نجح المستثمرون والداعمون الإعلاميون في تغيير مسار النقاش العالمي حول المناخ.
قبل سنوات قليلة، كان قطاع النفط يعيش حالة من الدفاع عن النفس إبان الزخم الذي أحدثه نشطاء المناخ والشباب في شوارع العالم، حتى إن مسؤولي منظمة "أوبك" وصفوا تلك الاحتجاجات بالمهدد الأكبر للقطاع، وتحت هذا الضغط، سارعت حكومات ومؤسسات مالية لتبني أهداف الحياد الكربوني، وانضمت شركات نفطية أوروبية لاتفاقية باريس تعهدت بخفض إنتاجها والاستثمار في الطاقة المتجددة، غير أن تلك الوعود الرنانة اعتمدت على حلول غير مثبتة تكنولوجيًا مثل احتجاز الكربون وتخزينه، وتبين أنها لم تكن سوى أداة لتهدئة الرأي العام ومحاصرة غضب الشارع، وسرعان ما بدأت الشركات بالتراجع عنها مع أول اختبار حقيقي للتغيير.
حماية شركات النفط من المساءلة
تعتبر شركة "بي بي" نموذجًا صارخًا لهذا الانقلاب الاستراتيجي، فبعد رحيل إدارتها السابقة، خفضت الشركة مستهدفاتها لتقليص الانبعاثات، وأعلنت عن إعادة هيكلة استراتيجية قلصت بموجبها استثمارات الطاقة المتجددة بمليارات الدولارات لصالح التوسع في النفط والغاز، متبنية شعارًا "أبسط وأقوى" يعود بالشركة إلى ممارساتها التقليدية حيث الأولوية المطلقة للأرباح، وهو ما تجسد فعليًا في تضاعف أرباحها الأخيرة بالتزامن مع الأزمات العالمية، ولا يختلف الوضع لدى بقية الشركات الأوروبية الكبرى التي رفعت أرباحها المجمعة بشكل قياسي وزادت من خططها الإنتاجية.
أما في الولايات المتحدة، التي تتربع على عرش الإنتاج العالمي للنفط والغاز بفارق شاسع يتفوق على إنتاج دول كبرى مجتمعة، فلم تعر الشركات اهتمامًا يذكر بالتزاماتها البيئية، وتجد هذه الشركات غطاءً سياسيًا قويًا يحميها من المساءلة ويتيح لها توسيع أسواقها وزيادة إنتاجها بنسب مذهلة بحلول عام 2030.
وفي الوقت نفسه، يمارس مستثمروها ضغوطًا موازية في أوروبا من خلال دعم وتوجيه التيارات السياسية ومراكز الأبحاث المناهضة لسياسات الحياد الكربوني، ما خلق تكتلًا سياسيًا وماليًا يدفع بالبشرية نحو عاصفة مناخية مثالية تذكي نار الأزمة العالمية.
ويتزامن هذا التهور لشركات الطاقة مع تأكيد العلماء حدوث ظاهرة "النينيو" الجديدة، والتي يُتوقع أن تكون من بين الأشد منذ عقود، ما ينذر بعواقب وخيمة على المنظومة البيئية العالمية، وتستعد غابات الأمازون لمواجهة موجات جفاف وحرائق جديدة دون أن تمتلك الوقت الكافي للتعافي من دمار الظاهرة السابقة التي حوّلت سماءها إلى سحب دخانية كثيفة تسببت في جفاف الأنهار الكبرى ونفوق جماعي للحياة البرية والبحرية.
علاوة على ذلك، ستشهد المناطق القطبية ذوبانًا متسارعًا للثلوج والجليد التي تلعب دورًا حيويًا في عكس حرارة الشمس نحو الفضاء، ما يقرب عناصر حيوية في نظام دعم الحياة على الأرض من نقاط تحول حرجة لا يمكن الرجوع عنها، وهذا المسار الانحداري لم يكن حتميًا، ولا ينبغي له أن يستمر في المستقبل، إذ يتعين على المجتمع الدولي العمل فورًا على تغيير الحوافز الاقتصادية، والاعتراف بأن الوقود الأحفوري بات بمثابة مواد سامة تهدد الوجود البشري، مع ضرورة إجبار شركات النفط على تحمل المسؤولية القانونية والأخلاقية عن نكث وعودها وتفضيل الأرباح العابرة على سلامة الكوكب وصحة أجياله القادمة.














