من حقن الغلاف الجوي إلى استخدام مرايا في الفضاء لتقليل كمية ضوء الشمس، أفكار غريبة تجدد على السطح من فترة إلى أخرى لمواجهة الكوارث الطبيعية بسبب التغيرات المناخية، إلا أن المختلف هذه المرة أن تلك الأفكار تطرحها شركات بل وحكومات، ضمن ما يُعرف بالهندسة الجيولوجية.
ومنذ قرون، وهناك محاولات طموحة لخلق بيئة تتناسب مع احتياجتنا الإنسانية، في مشروعات بدت في كثير من الأحيان غير قابلة للتطبيق أو بعيدة عن الواقع، بحسب الصحيفة البريطانية "الغارديان".
ومع تجدد النقاش حول الهندسة الجيولوجية، يعيد كتاب "تاريخ موجز للحماقة المناخية" لتيم فلانيري وإيما فلانيري الصادر عن دار نشر تيكست، النظر في عدد من المشاريع التاريخية التي سعت للتدخل في طبيعة الكوكب، هي كالآتي:
1- سد ضخم في مضيق جبل طارق
في ثلاثينيات القرن الماضي، طرح المهندس الألماني هيرمان سورغل مشروعًا يقضي ببناء سد ضخم عند مضيق جبل طارق، بهدف خفض منسوب البحر الأبيض المتوسط بنحو 200 متر، ومن المتوقع أن يؤدي ذلك إلى خلق مساحات زراعية واسعة جديدة، مع تشغيل عمال من أفريقيا، إضافةً إلى توفير طاقة كهرومائية ضخمة لأوروبا وأفريقيا.
ورغم الجدل الذي أثارته الفكرة، فإنها جذبت اهتمام بعض المهندسين الذين شاركوا في تصميم المشروع، وواجهت اعتراضات تتعلق بتأثير خفض منسوب البحر على معالم مثل قنوات البندقية، رغم تأكيد سورغل اتخاذ "إجراءات خاصة" لمعالجة التحديات، واستمرت الفكرة بشكل محدود حتى ستينيات القرن الماضي.
2- تدخل روسي لتذويب الجليد
لطالما اشتكى الروس من قسوة المناخ، حتى إن عالم المناخ الأمريكي بي إي ليدولف، المتخصص في جغرافيا "الاتحاد السوفيتي"، قال: "تفتقر البلاد إلى الحرارة عمومًا".
في هذا السياق، اقترح المهندس السوفيتي بوريسوف رفع درجات الحرارة في الأرض ببضعة درجات عبر بناء سد في مضيق بيرينغ، ما يؤدي إلى ذوبان الجليد في القطب الشمالي، وطرحت مقترحات أخرى، بينها حفر ممر ضخم في سلسلة جبال تومسون-ويفيل، في مشروع كان يتطلب إزالة آلاف الكيلومترات المربعة من قاع البحر على أعماق تتجاوز كيلومترًا واحدًا.
جاءت هذه الأفكار في أعقاب ما عُرف بـ"خطة ستالين الكبرى لتحويل الطبيعة" عام 1948، التي ضمت مشاريع هندسية واسعة لزيادة الإنتاجية وجعل البيئة أكثر ملاءمة للعيش، واستمرت مناقشة هذه المشاريع لعقود بعد وفاة ستالين عام 1953، رغم الظروف الاقتصادية.
3- قصف القطب الشمالي لإنقاذ الكوكب
أدى اكتشاف القوة الذرية إلى موجة تفاؤل علمي في منتصف القرن العشرين، فقد رأى هاري ويكسلر، رئيس قسم الخدمات العلمية في مكتب الأرصاد الجوية الأمريكي بين أربعينيات القرن الماضي و1962، أن استخدام عشر قنابل هيدروجينية في مواقع محددة قد يذيب الجليد في القطب الشمالي ويمهد لفترة من الدفء المناخي.
وفي المقابل، اتجهت أفكار سوفياتية إلى استخدام الأسلحة النووية لتغيير مسارات الأنهار، وأُجريت بالفعل تجارب بتفجير ثلاث قنابل نووية لتحويل مجرى بعض الأنهار شمالًا، لكنها لم تُحدث سوى تغيير محدود في القناة لا يتجاوز 700 متر، إلى جانب مخاطر الإشعاع التي أوقفت المشروع لاحقًا.
4- صنع قمر ثانٍ
في تسعينيات القرن الماضي، حاول مشروع "زناميا" لإنشاء "قمر ثانٍ" عبر مرايا فضائية عاكسة، وكان الهدف عكس ضوء الشمس نحو المناطق القطبية الروسية لزيادة الإضاءة خلال الليل.
أُطلقت مرايا على شكل أقمار صناعية قابلة للطي، ونجح أولها في إنشاء بقعة ضوئية قطرها نحو 5 كيلومترات، لكن تعثر الدفعة الثانية، إلى جانب ضغوط اقتصادية وتغيرات في برنامج الفضاء الروسي، أدى إلى إنهاء المشروع.
5- جبال من صنع الإنسان
طرح لوري هوجان فكرة تقوم على إعادة توزيع الجغرافيا الأسترالية، معتبرًا أن البلاد تعاني من غياب سلاسل جبلية ممتدة داخل أراضيها، وفي عام 1979، نشر كتابه "الجبل من صنع الإنسان"، داعيًا إلى إنشاء سلسلة جبال جديدة بطول 2000 كيلومتر، وارتفاع 4 كيلومترات، وعرض 10 كيلومترات، على طول غرب أستراليا.
وتضمن المشروع تصورًا لبناء 49 مدينة و180 ألف مزرعة سمكية على امتداد السلسلة الجديدة. وبعد فشل الكتاب في الحصول على دعم واسع، أسس هوجان حزبًا سياسيًا باسم "حزب خطة أستراليا المُهندسة"، وخاض انتخابات 1983، وأظهرت التقديرات أن تنفيذ خطته يتطلب نقل كميات من الصخور تفوق ما حركته البشرية عبر التاريخ، قبل أن يختفي المشروع وحزبه لاحقًا.
وتشير هذه الأمثلة إلى جانب من تاريخ طويل لمحاولات التدخل في طبيعة الأرض، من زيادة الأمطار إلى تغيير مسارات الأعاصير، وصولًا إلى توظيف الطقس في النزاعات، دون نتائج حاسمة في معظم الحالات، ورغم ذلك يخلص الكتاب إلى أن البشرية تبدو أمام خيارين: إما التوجه نحو الهندسة الجيولوجية، أو التكيف مع مناخ جديد أكثر قسوة.














