أصبحت نماذج الذكاء الاصطناعي القوية والمكلفة التي تنتجها شركات "سيليكون فالي" ضرورة ملحة للشركات الساعية لتأمين مستقبلها، إلا أن التحولات الأخيرة في السوق دفعت عددًا متزايدًا من الرؤساء التنفيذيين لشركات التكنولوجيا إلى التأكيد على أن الخيارات الأرخص ستكون حاسمة للاعتماد على نطاق أوسع.
ويرى كبار الرؤساء التنفيذيين في شركات كبرى، مثل "مايكروسوفت" و"بالو ألتو نتوركس" و"كوينبيس غلوبال"، أن النماذج الأصغر والأقل كلفة باتت قادرة على تلبية حصة كبيرة من الاحتياجات المؤسسية الحالية.
يأتي هذا التوجه نتيجة لإعادة تقييم شاملة داخل الشركات التي شجعت حتى وقت قريب على الاستخدام الكثيف لأدوات الذكاء الاصطناعي، حيث كانت تتعامل مع الاستهلاك المتزايد كمؤشر مباشر على الإنتاجية، وهو ما عُرف بمصطلح "توكن ماكسينغ".
فواتير صادمة
ومع ظهور الفواتير الضخمة، بدأت الأعباء المالية تؤثر سلبًا بشكل ملموس؛ فرغم انخفاض أسعار "الرموز" المستخدمة لقياس حجم الاستهلاك، إلا أن التكلفة الإجمالية لإتمام المهام ترتفع بشكل حاد بسبب تحول مزودي الخدمة من الاشتراكات الثابتة إلى التسعير القائم على حجم الاستخدام، مما يترك الشركات أمام فواتير مرتفعة وغير متوقعة يصعب تقديرها مسبقًا.
ولعل المثال الأبرز على ذلك هو استهلاك شركة "أوبر" لميزانيتها المخصصة للذكاء الاصطناعي لعام 2026 بالكامل في غضون 4 أشهر فقط، ما اضطر الإدارة لوضع حد أقصى للاستخدام بعد تسارع الموظفين لاعتماد أدوات البرمجة الذكية.
ومع امتداد المهام لتشمل خطوات معقدة وبيانات أضخم، تتوقع شركة "غارتنر" للأبحاث أن تتجاوز تكاليف البرمجة بالذكاء الاصطناعي متوسط راتب المطور بحلول عام 2028، كاشفة أن ثلاثة أرباع المديرين التنفيذيين يتوقعون زيادة ميزانيات التكنولوجيا هذا العام.
البدائل الاقتصادية
هذا الواقع دفع قطاع الأعمال نحو تبني نماذج أرخص والاعتماد على أدوات توجيه البيانات مثل منصة "أوبن روتر" لتخصيص المهام العادية للأنظمة الاقتصادية وحصر النماذج الممتازة في الأعمال الأكثر تعقيدًا.
وبناءً على ذلك، قفزت نسبة الرموز المعالجة عبر الأنظمة مفتوحة المصدر على المنصة إلى 65% في يونيو مقارنة بـ 34% في يناير الماضي، وهو تحول يصب في مصلحة مطوري النماذج مفتوحة المصدر كشركة "ديب سيك" الصينية، التي تتصدر حاليًا النماذج الأكثر شعبية على المنصة بفضل تضييق فجوة القدرات مع النماذج الأمريكية الكبرى وتقديم أسعار تنافسية للغاية تصل إلى 18 سنتًا لكل مليون رمز مقارنة بمتوسط 4 دولارات للنماذج الرائدة.
ورغم هذه المزايا الاقتصادية، يرى المحللون أن المخاوف الأمنية المتعلقة بالنماذج الصينية قد تعيق اعتمادها في القطاعات الحساسة مثل الأمن السيبراني، مما يدفع الشركات لتوزيع عملياتها بين مزودين متعددين على غرار استراتيجية الحوسبة السحابية بحثًا عن السعر والقدرة الأنسب.
حرب الأسعار
في المقابل، تحاول شركات مثل "أوبن إيه آي" التكيف مع هذا التحول عبر دراسة تخفيضات كبيرة في الأسعار لمواجهة منافستها "أنثروبيك"، غير أن حرب الأسعار المحتملة هذه قد تؤثر سلبًا على نمو إيراداتها، لا سيما مع استعدادها لطروحات أولية عامة مرتقبة وتزايد شكوك المستثمرين حول عوائد الإنفاق الضخم على التقنية.
ويتبلور المشهد الحالي في سوق التقنية حول حقيقة عملية تشير إلى أن النماذج مفتوحة المصدر أثبتت جدارتها بنسبة 90% مقابل 10% فقط من تكلفة النماذج الاحترافية، مما يلغي الحاجة لهدر الرموز مرتفعة الثمن على كافة مستويات العمل اليومي.














