قد لا يشعر العديد من الأمريكيين بـ"العصر الذهبي" الاقتصادي الذي يروج له الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، لكن ثروة ترامب تشهد طفرة غير مسبوقة، وبينما يواجه المواطن العادي أزمة مستمرة في تكاليف المعيشة، كشف الإفصاح المالي السنوي الأخير لترامب عن تحقيقه مليارات الدولارات خلال العام الماضي من استثماراته وعقاراته، إضافة إلى أرباح طائلة من منتجات تجارية تحمل اسمه، مما يجدد التساؤلات حول طبيعة هذه الرئاسة الاستثنائية التي تدمج بين السلطة والتجارة.
وبخلاف أسلافه من الرؤساء المعاصرين الذين آثروا الانفصال تمامًا عن أمورهم المالية الشخصية لتجنب تضارب المصالح، مثل جيمي كارتر، الذي وضع مزرعة الفول السوداني لعائلته في صندوق استئماني مغلق عام 1977، اختار ترامب نهجًا مغايرًا، فلم يكتف بالاحتفاظ بأعماله، بل ابتكر مشاريع جديدة مستغلًا منصبه وعلامته التجارية الشخصية، بحسب ما نقلته CNN.
حجم ثروة ترامب
وفقًا للبيانات المالية الإلزامية الصادرة مؤخرًا، حقق ترامب عوائد متنوعة أكثر من 200 ألف دولار من حقوق الملكية الفكرية لكتب ترامب المقدسة، و4.7 مليون دولار من مبيعات الساعات، ونحو 67 ألف دولار من العطور والأحذية الرياضية. كما حقق أكثر من 526 مليون دولار من مبيعات رموز رقمية مرتبطة بشركة World Liberty Financial، وهي شركة يديرها جزئيًا ابناه إريك ودونالد جونيور، إضافة إلى 635 مليون دولار من ترخيص عملة رقمية (ميم).
وعلى الرغم من عدم وجود أي دليل على ارتكاب مخالفات جنائية، إلا أن منتقدي ترامب يخشون أن تؤدي هذه الأنشطة إلى معضلة أخلاقية وسياسية كبرى. وتتجاوز المسألة الشؤون المالية الشخصية لتمس الدبلوماسية الدولية، إذ أثار قبول ترامب لطائرة رئاسية فاخرة جديدة من طراز "إير فورس ون"، وهي هدية من دولة قطر تُقدر قيمتها بنحو 400 مليون دولار، عاصفة من الانتقادات.
وفي حين يمنع قانون الهدايا والأوسمة الأجنبية الموظفين الفيدراليين من قبول هدايا من حكومات أجنبية لمنع التأثير غير اللائق، يظل هناك خلاف قانوني حول مدى انطباق هذه القواعد على الرئيس نفسه، ودافع ترامب عن الخطوة قائلًا إن أمير قطر أراد تقديم مساهمة لأمريكا، لاستخدامها مؤقتًا لحين تجهيز الطائرات الرسمية الجديدة، كما وصفها رئيس الوزراء القطري بأنها "صفقة بين حكومتين"، ومع ذلك، يرى الخبراء أن قبول الهدية قد يوحي بمنح تعاطف أكبر لدولة أجنبية في قضايا دبلوماسية حيوية.
وتكمن المخاوف الأكبر في قطاع العملات المشفرة، الذي جعلته الإدارة الحالية في صميم سياستها الاقتصادية وعملت على تخفيف رقابة هيئة الأوراق المالية والبورصات (SEC) عليه.
ولطالما تميز الاقتصاد الأمريكي بأنه ملاذ آمن للاستثمار لخلّوه من الفساد والمحسوبية، وأي شكوك حول التزام الإدارة بالمعايير الأخلاقية قد تلحق ضررًا بالسمعة الدولية على المدى الطويل، حتى في غياب دليل قطعي على تلاعب الرئيس بالأسواق لمصلحته.
وقالت دانييل كابوتو، كبيرة مستشاري الأخلاقيات في مركز الحملات القانوني، إنه يصبح من المستحيل معرفة ما إذا كان الرئيس يضع هذا التنظيم حول العملات المشفرة لمصلحته الخاصة، أم لا، لأنه يعتقد أن هذا هو الأفضل للشعب الأمريكي حقًا؟.
ورغم أن ثروة ترامب وهيبته كرجل أعمال ناجح ميزة سياسية في نظر مؤيديه، الذين يرون فيها دليلًا على أهليته لإدارة الاقتصاد، فإن التباهي بالطائرة الجديدة والمكاسب المليارية يأتي في توقيت حرج يعاني فيه ملايين الأمريكيين من ارتفاع الأسعار والتضخم.
وعند مواجهته بهذا الانفصال عن الواقع، قال ترامب: "كلنا نربح، أنا أربح لأن لدي الكثير من المال"، مشيرًا إلى أن ارتفاع مؤشرات الأسهم ينعكس إيجابًا على صناديق تقاعد المواطنين، لكن هذا المنطق لا يقلل من وطأة أسعار البقالة الأسبوعية التي تثقل كاهل المستهلك.
استياء شعبي ضد ترامب
ويستعد الديمقراطيون لاستغلال هذا الاستياء الشعبي وربط بذخ الرئيس بمعاناة المواطنين قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر المقبل، وقد علق النائب الديمقراطي جيمي بانيتا ساخرًا: "هذه إدارة تقول انظروا إلى طائرتي، انظروا إلى ذهبي، بينما يمكنكم أكل الكعك".
وفي ظل تراجع نسبة تأييد ترامب إلى 37% في أحدث استطلاعات الرأي، فإن الأشهر المقبلة ستكشف ما إذا كان هذا الثراء الشخصي الفاحش سيتحول إلى عبء سياسي يدفع الحزب الحاكم ثمنه في صناديق الاقتراع أم لا؟.












