في تطور سريع داخل سوق الطيران الأمريكي، بدأت آثار توقف شركة سبيريت إيرلاينز تظهر خلال ساعات قليلة فقط من إعلان انهيارها، إذ تحركت شركات منافسة للإعلان عن خطط توسع جديدة تستهدف الوجهات التي كانت الشركة المنهارة تغطيها.
وأفادت تقارير قطاعية أن عددًا من شركات الطيران كانت قد بدأت بالفعل منذ أشهر في إعادة رسم خرائط رحلاتها الداخلية، تحسبًا لاحتمال خروج سبيريت من السوق أو تقليص عملياتها بشكل كبير. ومع إعلان الشركة وقف نشاطها بشكل مفاجئ ليلة السبت، وجد آلاف المسافرين أنفسهم عالقين دون ترتيبات سفر بديلة، ما زاد من حدة الارتباك في قطاع النقل الجوي.
ويرى محللون أن التحرك السريع من جانب المنافسين لا يقتصر على مجرد سد الفراغ التشغيلي، بل يمتد إلى الاستفادة من الأصول التشغيلية التي كانت تمتلكها سبيريت، مثل حقوق الهبوط والإقلاع في مطارات رئيسية، إضافة إلى قاعدة العملاء التي أصبحت خياراتها محدودة. ويُتوقع أن يؤدي هذا التحول إلى زيادة الضغوط على أسعار التذاكر، التي كانت قد شهدت بالفعل ارتفاعًا خلال الفترة الماضية نتيجة صعود أسعار الوقود.
توازن العرض والطلب في سوق الطيران الأمريكي
وفي مذكرة تحليلية صدرت يوم الاثنين، أوضح براندون أوغلينسكي، المتخصص في قطاع الطيران لدى بنك باركليز، أن حجم تشغيل سبيريت في الصيف كان قد انخفض بالفعل ليشكل نحو 1.5% فقط من إجمالي السعة الداخلية داخل الولايات المتحدة، إلا أن تأثير خروجها قد يتجاوز هذا الرقم بشكل ملحوظ على مستوى السوق.
وأضاف أن إزالة جزء من السعة التشغيلية منخفضة التكلفة في الرحلات المباشرة بين المدن قد يخلق حالة من اختلال التوازن بين العرض والطلب، وهو ما قد يدفع الشركات الأخرى إلى رفع الأسعار على المدى القصير لتعويض الضغط التشغيلي وزيادة الطلب على المقاعد المتاحة.
وفي الوقت الراهن، سارعت شركات الطيران المنافسة إلى إعلان جداول رحلات جديدة تستهدف تغطية المسارات التي كانت تعتمد عليها سبيريت، إلى جانب محاولة الحصول على مواقع تشغيل داخل المطارات التي كانت تُعد مراكز رئيسية لعمليات الشركة.
وفي هذا السياق، أعلنت شركة بريز إيرويز عن إطلاق خط جوي جديد يربط بين أتلانتيك سيتي في نيوجيرسي ومدينة تشارلستون في ولاية ساوث كارولاينا، كما كشفت عن نيتها تشغيل رحلات منتظمة طوال العام من أتلانتيك سيتي إلى مطار رالي دورهام في كارولاينا الشمالية، إضافة إلى خط آخر باتجاه مدينة تامبا في ولاية فلوريدا.
أما شركة جيت بلو، فقد كشفت عن توسعات واسعة من مركزها في مطار فورت لودرديل-هوليوود الدولي، الذي كان يُعد أحد أهم مراكز تشغيل سبيريت. وشملت خططها الجديدة إطلاق رحلات إلى وجهات في كولومبيا مثل بارانكويلا وكالي، إلى جانب خطوط داخلية تشمل بالتيمور وشارلوت وإنديانابوليس.
كما أعلنت الشركة نفسها عن إضافة رحلات مباشرة جديدة من جنوب فلوريدا إلى مدن أمريكية رئيسية مثل شيكاغو وديترويت وهيوستن وناشفيل، بالإضافة إلى بونس في بورتوريكو. وذكرت إدارة الشركة أن هذه التوسعات تأتي ضمن خطة لتعزيز حضورها في السوق المحلية والدولية في ظل الفراغ الذي خلفه خروج سبيريت.
وفي تصريحات رسمية، أكد مارتي سانت جورج، رئيس شركة جيت بلو، أن الشركة تركز بشكل خاص على دعم سوق فورت لودرديل وضمان استمرار خدمات الطيران فيه دون تراجع، مشيرًا إلى أن التوسعات الجديدة تهدف إلى الحفاظ على استقرار الرحلات في المنطقة.
كما شملت خطط جيت بلو رفع القدرة التشغيلية على خطوط تربط فورت لودرديل بعدد من المدن مثل أوستن ودالاس/فورت وورث ورالي دورهام، إلى جانب وجهات في منطقة الكاريبي مثل سانتو دومينغو وسانتياغو دي لوس كاباليروس في جمهورية الدومينيكان.
أزمات سابقة لـ "سبيريت"
من جهة أخرى، لا يُعد هذا النمط من التحركات جديدًا على قطاع الطيران، إذ سبق أن حدث موقف مشابه خلال العام الماضي عندما واجهت سبيريت أزمة مالية دفعتها لتقديم طلب حماية من الإفلاس للمرة الثانية خلال أقل من عام. حينها، سارعت شركات منافسة إلى تعزيز وجودها في المطارات التي كانت تعتمد عليها سبيريت، مستفيدة من تقليص الشركة لعملياتها في محاولة لخفض التكاليف.
لكن تلك الجهود لم تنجح في إنقاذ الشركة، حيث انهارت المحادثات المتعلقة بالحصول على تمويل حكومي كان من شأنه أن يوفر لها سيولة تصل إلى 500 مليون دولار، وهو ما أدى في النهاية إلى توقفها عن العمل.
وتشير المعلومات إلى أن الشركة، التي تُعد من أبرز شركات الطيران منخفض التكلفة في الولايات المتحدة، كانت تعاني من تراكم أزمات مالية وتشغيلية على مدى سنوات، حيث اجتمعت عوامل داخلية وخارجية أدت إلى وصولها إلى مرحلة التوقف الكامل عن النشاط.
وفي أعقاب انهيارها، اتخذت شركات طيران كبرى مثل يونايتد إيرلاينز وأمريكان إيرلاينز وساوث ويست إيرلاينز وفرونتير وجيت بلو خطوات عاجلة لتوفير مقاعد للمسافرين العالقين، مع فرض سياسات تسعير مرنة لمساعدتهم على إكمال رحلاتهم المتأثرة.
كما أعلنت سبيريت أنها بدأت تلقائيًا في إجراءات استرداد الأموال للعملاء الذين لم يتمكنوا من السفر أو تأثرت حجوزاتهم بسبب توقف العمليات.
وكشفت بيانات أولية أن شركة يونايتد استقبلت نحو 14 ألف مسافر كانوا قد حجزوا عبر سبيريت، بينما تجاوز عدد المسافرين الذين استوعبتهم ساوث ويست 20 ألف عميل خلال فترة قصيرة من إعلان التوقف.
وفي تعليق له، قال ديفيد كينزلمان، أحد كبار مسؤولي خدمة العملاء في شركة يونايتد، إن الشركة تعمل على استيعاب الركاب المتأثرين بأفضل صورة ممكنة، مشيرًا إلى أن رحلاتهم ستتيح لهم الوصول إلى وجهات متعددة داخل الولايات المتحدة وخارجها، مع توفير شبكة رحلات واسعة وخدمات تشغيل مستقرة.
وأضاف أن الشركة تعتمد على شبكة تشغيل عالمية تشمل رحلات عبر الأطلسي والمحيط الهادئ، إلى جانب خبرات تشغيلية تهدف إلى تحسين تجربة المسافرين خلال هذه الفترة الانتقالية. وفي الوقت ذاته، يراقب قطاع الطيران منخفض التكلفة التطورات الحالية عن كثب، في ظل مخاوف من أن يؤدي خروج سبيريت إلى إعادة تشكيل المنافسة داخل هذا القطاع بشكل واسع.
ويُعد ارتفاع أسعار الوقود خلال الفترة الأخيرة، خاصة بعد التوترات الجيوسياسية بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران في فبراير، أحد أبرز التحديات التي أثقلت كاهل شركات الطيران منخفضة التكلفة، التي لا تعتمد على مصادر دخل متنوعة مثل شركات الطيران الكبرى.
وفي سياق متصل، تستعد شركة فرونتير إيرلاينز، التي يُنظر إليها كأحد المنافسين المحتملين لشبكة سبيريت السابقة، لإعلان نتائجها المالية يوم الثلاثاء، وسط توقعات بأن يواجه مسؤولوها أسئلة تتعلق بخطط التوسع واستراتيجيات النمو في المرحلة المقبلة، في ظل المتغيرات الكبيرة التي يشهدها سوق الطيران.
اقرأ أيضًا:
“سبيريت إيرلاينز”.. إغلاق أول شركة طيران بسبب تداعيات الحرب
حرب إيران تحرق "جيوب الأثرياء".. رحلات الطيران الخاص تحلق بأسعار فلكية
الحرب الإيرانية تدفع العالم نحو الطاقة النظيفة والصين تقود التحول














