في اليوم العالمي للمخطوط العربي، الذي يحل في 4 أبريل من كل عام، تبرز مخطوطة «حديث بياض ورياض»؛ بوصفها نموذجًا أدبيًا وجماليًا نادرًا يجمع بين فنون السرد والشعر والتصوير في الثقافة العربية الوسيطة، ويكشف عن تفاعل الأدب العربي مع محيطه الاجتماعي والفني في الأندلس.
فالمخطوطة التي تنتمي إلى القرن الثالث عشر الميلادي، تروي قصة حب بين شاب دمشقي يُدعى بياض، وفتاة أندلسية تُدعى رياض، في قالب يجمع النثر والشعر والمنمنمات. وقد وصلتنا القصة عبر ثلاث مخطوطات، أبرزها محفوظ في مكتبة الفاتيكان (Ar. Ris. 368)، وتتميز بمنمنمات مذهبة تُصوّر مشاهد من الحياة اليومية، كالأزياء والعمارة والناعورة، مما يجعلها وثيقة بصرية نادرة عن الأندلس الموحدية.
واعتمد وزراء الثقافة العرب يوم 4 أبريل من كل عام يومًا للمخطوط العربي منذ عام 2016، لما يحمله من رمزية حضارية، إذ يمثل المخطوط العربي سجلًّا حيًا للعقل والفن والمعرفة الإسلامية. واختير هذا التاريخ تحديدًا لأنه يوافق تاريخ تأسيس المعهد العربي للمخطوطات، الذي أطلق المبادرة منذ 2013، ونجح في جعلها مناسبة ثقافية كبرى بمشاركة عشرات المؤسسات والمكتبات في العالم العربي والإسلامي.
كيف نجت المخطوطة من محارق غرناطة؟
نجت مخطوطة «بياض ورياض» من الإبادة التي لحقت بالكتب العربية بعد سقوط غرناطة سنة 1492، حين أُحرقت عشرات الآلاف من المخطوطات بأمر من الملكين الكاثوليكيين.
ويُرجّح أن نسخة الفاتيكان، المكتوبة بخط مغربي، سُلبت من تونس خلال حملة شارل الخامس، مما يعزز فرضية أنها مخطوطة شمال أفريقية، رغم أن محتواها وسياقها يشيران إلى الأندلس، وربما تحديدًا إشبيلية، في بدايات القرن 13، إبان الدولة الموحدية.
ما حكاية العاشقين؟
يحكي النص قصة بياض، الفتى الدمشقي، الذي يرى رياض قرب نهر فيقع في غرامها من أول نظرة. تسعى عجوز بابليّة إلى تيسير لقاءاتهما، لكن حبّ بياض المحرَّم على جارية تخصّ الحاجب يثير غضب «السيّدة»، ابنة الحاجب، فتعزل رياض وتمنعها من لقائه.
تتطور الأحداث عبر رسائل متبادلة، تقطعها انقطاعات سردية تُعزى إلى تلف أجزاء من المخطوطة، قبل أن تنتهي القصة بمحاولة لقاء سرّي نظّمته العجوز.
ورغم عدم اكتمال المخطوطة، يكشف النص عن أسلوب سردي محكم، يجمع بين النثر والشعر، ويتخلله وصف دقيق للعواطف والمشاعر. الشعر الذي ورد على ألسنة الشخصيات يصل إلى نصف النص، مما دفع بعض الباحثين لاعتباره أقرب إلى كتاب أغانٍ أو مسرحية غنائية.
ما سبب أهمية مخطوطة الفاتيكان؟
تُعد نسخة الفاتيكان من أبرز المخطوطات المصوّرة الباقية من تراث الأندلس، وتتميّز بمنمنمات مذهبة تُظهر مشاهد من الحياة اليومية، كالأزياء والعمارة والناعورة.
وتكشف عن مستوى فني راقٍ، يجمع التأثيرات الأندلسية والمغولية والبغدادية، ما يضعها في بؤرة اهتمام الدراسات المقارنة بين الآداب الإسلامية والأوروبية في العصور الوسطى.
هل تأثرت القصة بالآداب الأوروبية؟
يشير الباحثون إلى تقاطعات بين «حديث بياض ورياض» وأعمال أوروبية معاصرة، مثل «أوكاسان ونيكوليت» و«كتاب الحب الجميل» لخوان رويز.
كما يقارنون بين بياض ومجنون ليلى، ويقفون على أثر النص في أعمال شمال إفريقيا، مثل «قطب السرور» لابن رقيق.
من السارد الحقيقي في القصة؟
تسرد القصة بصوت العجوز البابليّة، التي لا تكتفي بدور الميسّرة بين العاشقين، بل تتولى السرد بوصفها شاهدة ومشاركة.
ومع تبدّل الأصوات السردية وغياب بعض الأجزاء، يظل القارئ حبيس الهامش، إذ تتكشف خيوط قصة أكبر مضمَرة: قصة الحاجب نفسه، الذي يبدو أنه العاشق المغيّب.
ما الذي يجعل هذه القصة نموذجًا للحب العذري؟
تنتمي «بياض ورياض» إلى أدب الحب الفاضل، أو ما يُعرف في الأدبيات الغربية بـ«Courtly love»، حيث يمتزج الشوق والعفاف، ويتقدّم العاشقان نحو المصير دون اكتمال.
وهذا النوع من القصص يؤدي دورًا في تطور القصة العربية الكلاسيكية، بتأثيراته المتبادلة مع السرد الغربي، ما يمنح «بياض ورياض» بعدًا أدبيًا عالميًا.
تحقيق علمي يجمع الروايات
شهدت السنوات الأخيرة صدور طبعة محققة وشاملة لنسخ القصة المختلفة، أعدها فريق من الباحثين ضمّ ناويا كاتسوماتا (جامعة كيوتو)، وهيثم محمود شرقاوي (جامعة جنوب الوادي)، وأحمد زين الدين (جامعة الأزهر)، وصدر العمل عن دار «كنز ناشرون» في بيروت، بدعم من الجمعية اليابانية لتطوير العلوم
. وقد استند الفريق إلى زيارات ميدانية لمكتبة الفاتيكان ومكتبة تشيستر بيتي في دبلن، ونجح في مقابلة الروايتين الرئيسيتين: نسخة الفاتيكان المصورة ونسخة دبلن-باريس الكاملة.
وأوضح الباحثون أن رواية دبلن وباريس تميزت بوضوح الحبكة، بينما امتازت نسخة الفاتيكان بالتصوير الفني، رغم ما فيها من نقص في البداية والنهاية، وانقطاعات في السرد. واعتمد التحقيق على مقارنة الروايتين لاستكمال الفجوات، وضبط الشعر والنثر، وتصحيح مئات التصحيفات التي وردت في طبعات سابقة.