أعاد فريق من الباحثين الأمل في مواجهة مقاومة المضادات الحيوية، بعدما نجح في استعادة فاعلية أحد أهم المضادات الحيوية المستخدمة لعلاج العدوى البكتيرية الشديدة.
ولم يتحقق ذلك عبر تطوير دواء جديد، وإنما من خلال دمج مضاد حيوي معروف مع جزيء صغير يعطل إحدى وسائل الدفاع التي تعتمد عليها البكتيريا المقاومة، ما يسمح للدواء باستعادة قدرته على القضاء عليها.
ويأتي هذا الاكتشاف في وقت تُعد فيه مقاومة المضادات الحيوية واحدة من أكبر التحديات التي تواجه الطب الحديث، مع تراجع فاعلية كثير من الأدوية التي اعتمد عليها الأطباء لعقود في علاج الالتهابات البكتيرية.
مقاومة المضادات الحيوية
مع مرور الوقت، تطورت البكتيريا واكتسبت وسائل تمكّنها من مقاومة المضادات الحيوية، وهو ما أدى إلى تراجع كفاءة العديد من الأدوية التي كانت تُستخدم بنجاح في الماضي، ولم يعد تأثير هذه المشكلة يقتصر على علاج الالتهابات البكتيرية، بل امتد إلى العمليات الجراحية، وعلاجات السرطان، وغيرها من الإجراءات الطبية التي تعتمد على وجود مضادات حيوية فعالة للوقاية من العدوى أو علاجها.
ولهذا، يواصل العلماء البحث عن طرق جديدة تسبق قدرة البكتيريا على التطور، سواء عبر اكتشاف مضادات حيوية جديدة أو من خلال إعادة إحياء الأدوية الموجودة بالفعل، بدلًا من استثمار سنوات طويلة في تطوير مضاد حيوي جديد، اتجه الباحثون إلى فكرة مختلفة تقوم على استخدام ما يعرف باسم "مساعدات المضادات الحيوية".
وهذه الجزيئات لا تقتل البكتيريا بنفسها، لكنها تساعد المضادات الحيوية على أداء وظيفتها من جديد، عبر تعطيل وسائل المقاومة التي طورتها البكتيريا، ويُنظر إلى هذا النهج باعتباره أحد أكثر المسارات الواعدة في مواجهة مقاومة المضادات الحيوية.
أكثر من 150 جزيئًا
قضى البروفيسور جون موس وفريقه في مختبر كولد سبرينغ هاربور سنوات في تطوير تقنية كيميائية تتيح إنتاج أعداد كبيرة من الجزيئات الجديدة بسرعة وكفاءة.
وباستخدام هذه التقنية، أنشأ الباحثون مكتبة تضم أكثر من 150 جزيئًا كيميائيًا مختلفًا، سبق أن استُخدمت بعض مركباتها في أبحاث تتعلق بالسرطان ومقاومة المضادات الحيوية.
ومن خلال تعاون مع باحثين في معهد سكريبس للأبحاث، قادت هذه المكتبة إلى اكتشاف طريقة جديدة لإعادة تنشيط مضاد حيوي معروف هو الفانكوميسين.
فرصة ثانية للفانكوميسين
يُعد الفانكوميسين من أقوى المضادات الحيوية المستخدمة لعلاج العدوى البكتيرية الشديدة، ويُستخدم في مواجهة أنواع من البكتيريا التي يصعب علاجها، من بينها العنقوديات الذهبية المقاومة للميثيسيلين (MRSA) والبكتيريا المطثية العسيرة (C. diff).
لكن هذه البكتيريا تستطيع مع مرور الوقت تطوير مقاومة تجعلها أقل استجابة للعلاج، لتتحول إلى ما يُعرف بـ"السوبر بكتيريا"، وهي سلالات قادرة على مقاومة عدد من المضادات الحيوية، ويمكن أن تنتشر داخل المستشفيات ودور الرعاية الصحية والمجتمع.
في الدراسة الجديدة، تعاون فريق جون موس مع فريق البروفيسور هوارد هانغ في معهد سكريبس لإيجاد وسيلة تعيد للفانكوميسين فاعليته.
وركز الباحثون على إنزيم تستخدمه البكتيريا لتعزيز مقاومتها للمضادات الحيوية، ويُعرف علميًا باسم SagA ولتعطيل هذا الإنزيم، استخدموا جزيئًا صغيرًا يحمل الاسم العلمي pghi-4، كان قد اكتُشف لأول مرة داخل مختبر موس عام 2020.
وأظهرت التجارب أنه عند استخدام هذا الجزيء مع الفانكوميسين ضد بكتيريا المكورات المعوية المقاومة للأدوية (E. faecium)، استعاد المضاد الحيوي قدرته على قتل البكتيريا بعد أن كانت قد فقدت استجابتها له.
وتشير هذه النتيجة إلى أن إضعاف وسائل الدفاع التي تمتلكها البكتيريا قد يكون وسيلة فعالة لإعادة استخدام مضادات حيوية فقدت جزءًا من قدرتها العلاجية.
من الكيمياء إلى العلاج
ويقول البروفيسور جون موس إن هذا الاكتشاف لم يبدأ أساسًا كمشروع لتطوير علاج جديد، بل انطلق من أبحاث في الكيمياء الأساسية هدفت إلى تطوير تفاعلات كيميائية تساعد على إنتاج جزيئات جديدة بصورة أسرع وأكثر كفاءة.
وأضاف أن هذه الجهود قادت إلى اكتشاف أول مثبط لهذا الإنزيم المرتبط بمقاومة المضادات الحيوية، مؤكدًا أن فريقه يواصل تحديث المكتبة الجزيئية وإضافة مركبات جديدة يمكن أن يستفيد منها باحثون آخرون في تطوير علاجات مستقبلية.
وأشار إلى أن الفكرة الأساسية تتمثل في استخدام تفاعلات كيميائية موثوقة لبناء جزيئات جديدة بطريقة أكثر كفاءة، بما يسرّع اكتشاف الأدوية ويمنح الباحثين خيارات أوسع.
آفاق أوسع
ويأمل الباحثون أن تسهم هذه المكتبة الجزيئية في تطوير استراتيجيات مشابهة للتعامل مع أنواع أخرى من البكتيريا المقاومة للأدوية، وربما تمتد مستقبلًا إلى بعض الأشكال المقاومة من مرض السل.
وتشير نتائج الدراسة إلى أن مواجهة مقاومة المضادات الحيوية قد لا تعتمد دائمًا على اكتشاف مضادات جديدة، بل ربما تبدأ بإعادة التفكير في كيفية الاستفادة من الأدوية الموجودة بالفعل، فبدلًا من استبدال مضاد حيوي فقد جزءًا من فاعليته، قد يكون من الممكن دعمه بجزيء صغير يعطل دفاعات البكتيريا ويمنحه فرصة جديدة للقيام بمهمته.
ويقدم هذا النهج رؤية مختلفة لمستقبل مكافحة السوبر بكتيريا، إذ يعتمد على استعادة قوة الأدوية المعروفة بدلًا من بدء رحلة طويلة لتطوير علاجات جديدة، وهو ما قد يسرع الوصول إلى حلول عملية في مواجهة واحدة من أخطر التحديات الصحية التي يواجهها العالم اليوم.














