العديد من أكبر مصبات الأنهار في العالم تواجه خطرًا صامتًا يتجاوز مجرد ارتفاع مستويات البحار، فقد أظهرت الدراسات الحديثة أن أجزاء واسعة من هذه المناطق المأهولة بكثافة تتعرض للغرق بوتيرة أسرع من معدل ارتفاع المحيطات، ما يضع مئات الملايين من البشر أمام خطر متنامٍ من الفيضانات والكوارث البيئية.
ويصف العلماء هذه الظاهرة بأنها شكل خفي لتآكل الأراضي، تتسارع تأثيراته في المصبات الأكثر أهمية حول العالم، وبحسب دراسة نُشرت في مجلة "نيتشر"، فإن هذه الأراضي التي تُعد من أكثر المناطق كثافة سكانية، قد تشهد عواقب مدمرة تتساوى أو حتى تتجاوز التأثيرات المباشرة لارتفاع مستوى البحار.
وتشير الأبحاث الحديثة إلى أن غرق مصبات الأنهار لا يعود فقط إلى تغير المناخ، بل هو نتيجة تضافر تأثيرات النشاط البشري؛ فالاستنزاف المكثف للمياه الجوفية، وحجز الرواسب في أعالي الأنهار بواسطة السدود وأعمال هندسة المجاري، إلى جانب التوسع العمراني السريع، جميعها عوامل تضعف تضاريس المصبات وتجعلها تهبط تدريجيًا.
ويعد هذا التحليل الدولي الأكثر تفصيلًا على الإطلاق لدراسة هبوط أراضي المصبات. فقد رصد الباحثون تغيّرات الارتفاع عبر 40 من أكبر مصبات الأنهار حول العالم، مقدمين أول صورة دقيقة وعالية الدقة على نطاق المصب لكيفية تحرك الأراضي مع مرور الوقت، أشرف على المشروع عالما الجيولوجيا بجامعة فيرجينيا تك، مانوشير شيرزايي وسوزانا ويرث، بينما قاده ليونارد أوهينهين، الطالب السابق في فيرجينيا تك والذي أصبح الآن أستاذًا مساعدًا في جامعة كاليفورنيا، إرفاين.
تكشف النتائج عن نمط واسع الانتشار من الانخفاض المستمر؛ فمعظم المصبات التي شملها البحث تحتوي على مناطق تهبط فيها الأرض أسرع من ارتفاع مستويات البحار المجاورة. وفي 18 من أصل 40 مصبًا، تجاوز الهبوط الأرضي بالفعل معدل ارتفاع البحر المحلي، ما يزيد من خطر الفيضانات على أكثر من 236 مليون شخص في المستقبل القريب. وهذا يعني أن المجتمعات قد تواجه تفاقم الفيضانات حتى دون أي زيادة مستقبلية في مستويات المحيطات.
رصد الهبوط الأرضي بتفصيل غير مسبوق
لتتبع هذه التغيرات بدقة، اعتمد الفريق على أحدث تقنيات الرادار الفضائي القادرة على كشف أدق التحركات في سطح الأرض. ومن خلال دمج سنوات من البيانات الفضائية، تمكن الباحثون من إنتاج خرائط دقيقة لتغير ارتفاع الأراضي في مصبات الأنهار على خمس قارات، بحيث تمثل كل بكسل مساحة لا تتجاوز 75 مترًا مربعًا. وقد أتاح هذا المستوى من الدقة للعلماء تحديد مناطق غرق سريعة لم تكن معروفة من قبل.
وتُعد بعض المصبات الأكثر تضررًا من بين أكبر المراكز السكانية والزراعية في العالم، مثل دلتا نهر الميكونغ، ونهر النيل، وتشاو فرايا، والغانج–براهمابوترا، والميسيسيبي، والنهر الأصفر. ويعيش في كثير من هذه المناطق عشرات الملايين من الأشخاص، وتلعب دورًا أساسيًا في إنتاج الغذاء العالمي، ما يجعل فقدان الأراضي المستمر مصدر قلق بالغ.
ويعلق ليونارد أوهينهين قائلاً: "في كثير من الأماكن، يؤدي الاستنزاف المكثف للمياه الجوفية، ونقص الرواسب، والتوسع العمراني السريع إلى هبوط الأراضي بمعدل أسرع مما كنا نظن سابقًا".
البشر وراء تصاعد مخاطر الغرق
تشير الدراسات إلى أن بعض المناطق تهبط بسرعة تفوق ضعف معدل ارتفاع مستويات البحار العالمي الحالي.
ويعلق مانوشير شيرزايي، المؤلف المشارك ومدير مختبر المراقبة الأرضية والابتكار في جامعة فيرجينيا تك: "تظهر نتائجنا أن الهبوط الأرضي ليس مشكلة مستقبلية بعيدة، بل يحدث الآن وبمعدلات تفوق تأثير ارتفاع مستويات البحار الناتج عن تغير المناخ في العديد من المصبات".
واكتُشف أن استنزاف المياه الجوفية يمثل العامل الأقوى على مستوى العالم في تسريع هبوط الأراضي، مع اختلاف العوامل المسيطرة حسب كل منطقة.
وتضيف سوزانا ويرث، التي شاركت في تحليل المياه الجوفية: "عندما تُستنزف المياه الجوفية بشكل مفرط أو لا تصل الرواسب إلى السواحل، ينخفض سطح الأرض. وهذه العمليات مرتبطة مباشرة بقرارات البشر، ما يعني أن الحلول أيضًا تقع في نطاق سيطرتنا".














