تصريحات دونالد ترامب بشأن الاستيلاء على جرينلاند لم تعد مجرد مواقف سياسية مثيرة للجدل، بل تحولت إلى عبء ثقيل على علاقات واشنطن مع حلفائها في حلف الناتو، وسط تحذيرات متصاعدة من أن أي تحرك بالقوة قد ينسف أكبر تحالف عسكري في العالم من جذوره.
صحيح أن تاريخ الناتو لم يخلُ من الخلافات، خصوصًا بين دول متجاورة مثل اليونان وتركيا، لكن المشهد يصبح أكثر خطورة عندما يكون الطرف المهدِّد هو الدولة الأقوى في الحلف، وتسعى لضم أراضٍ تابعة لحليف آخر.
ترامب جدّد تأكيده قائلاً إن الولايات المتحدة "ستحصل على جرينلاند بأي طريقة"، فيما لم يستبعد البيت الأبيض الخيار العسكري، مبررًا ذلك بالخوف من تمدد النفوذ الروسي أو الصيني، ومشيرًا إلى أن التوصل إلى صفقة سيكون الطريق الأسهل.
جرينلاند، التي تتمتع بحكم ذاتي واسع ضمن المملكة الدنماركية، باتت في قلب هذا الجدل. رئيسة وزراء الدنمارك، ميتي فريدريكسن، أطلقت تحذيرًا حادًا مفاده أن أي هجوم أمريكي على دولة عضو في الناتو لن يهدد دولة بعينها فقط، بل قد يضع نهاية فعلية للحلف نفسه.
عقود من التهديدات الخارجية
على مدى عقود، شكّل حلف شمال الأطلسي خط الدفاع الأول في مواجهة التهديدات الخارجية. فقد تأسس الناتو عام 1949 على يد 12 دولة، في ذروة الحرب الباردة، لاحتواء الخطر الذي مثّله الاتحاد السوفييتي آنذاك، واعتمدت قوته الردعية على الوجود العسكري الأمريكي الكثيف في أوروبا، بما في ذلك نشر أسلحة نووية أمريكية على أراضيها.
ومع مرور الوقت، اتسع الحلف ليضم اليوم 32 دولة، بعد انضمام السويد عام 2024، مدفوعة بمخاوف متزايدة من سلوك روسي يوصف بالعدواني. ويصنّف الناتو رسميًا روسيا والإرهاب الدولي كأبرز التهديدات التي تواجه أمنه الجماعي.
ويفتح الحلف أبوابه أمام أي دولة أوروبية ترغب في الانضمام وتستوفي الشروط والالتزامات المطلوبة، إلا أن قراراته لا تُتخذ إلا بالإجماع، ما يمنح كل دولة عضو حق النقض. وفي هذا السياق، استخدمت إدارة ترامب هذا الحق لعرقلة طلب أوكرانيا للانضمام.
يقوم الناتو على مبدأ محوري مفاده أن أي هجوم يستهدف دولة عضو يُعد هجومًا على الجميع، وهو جوهر الضمانة الأمنية الجماعية المنصوص عليها في المادة الخامسة من ميثاق الحلف. وتعتمد مصداقية الناتو على اقتناع خصومه بأن الدول الـ32 ستفي بهذا التعهد دون تردد.
غير أن هذه الضمانة تبقى التزامًا سياسيًا لا قانونيًا، ولا يمكن فرضها عبر المحاكم. ولم يُفعَّل هذا المبدأ سوى مرة واحدة في تاريخ الحلف، وذلك عام 2001، دعمًا للولايات المتحدة عقب هجمات 11 سبتمبر على نيويورك وواشنطن.
المادة الخامسة: درع ضد الأعداء
لطالما أكد دونالد ترامب التزامه بالمادة الخامسة من ميثاق الناتو، التي تقوم على مبدأ الدفاع الجماعي، لكنه في الوقت نفسه أثار شكوكًا متكررة حول استعداده لحماية الدول التي لا ترفع إنفاقها الدفاعي إلى المستوى المطلوب. ومع تهديداته المتكررة بشأن جرينلاند، بدا أن الأمر تجاوز حدود الجدل التقليدي داخل الحلف إلى مستوى غير مسبوق.
في حال نشوب صراع بين الولايات المتحدة والدنمارك، تصبح المادة الخامسة بلا معنى عملي، إذ إن تفعيلها يتطلب إجماع الدول الأعضاء، وهو ما لا يمكن تصوره في نزاع بين دولتين من داخل الحلف نفسه. وفوق المسار الدبلوماسي، لا يمتلك الناتو آليات واضحة للتعامل مع صدام علني بين أعضائه. وفي هذا السياق، كان من المقرر أن يعقد مسؤولون كبار من واشنطن وكوبنهاغن محادثات لاحتواء التوتر.
وإذا تصاعدت الأزمة، تستطيع الدنمارك اللجوء إلى المادة الرابعة من ميثاق الحلف، التي تتيح طلب مشاورات رسمية عندما تشعر دولة عضو بأن سيادتها أو سلامة أراضيها مهددة. غير أن هذه المشاورات لا تفضي تلقائيًا إلى أي تحرك عملي، بل تبقى إطارًا للنقاش وتبادل المواقف.
أي هجوم أمريكي سيكاد يكون وصفة مؤكدة لانقسام داخل حلف الناتو. وقد سبق للحلف أن عاش مشهدًا مشابهًا عام 2003، حين قادت الولايات المتحدة الحرب على العراق، بدعم من بريطانيا وإسبانيا، بينما تصدرت فرنسا وألمانيا معسكر الرافضين بشدة.
وفي حال تكرار السيناريو على خلفية جرينلاند، يبقى السؤال مفتوحًا: أي من حلفاء واشنطن سيختار الاصطفاف إلى جانب ترامب، وأيهم سيتحول إلى صف المعارضة داخل الحلف؟













