في الوقت الذي يحاول فيه الآباء تنظيم استخدام أبنائهم للهواتف، يجد كثير من المراهقين صعوبة في الابتعاد عنها، حتى في أوقات الدراسة أو قبل النوم. وقد تبدو هذه العادة مجرد رغبة في الترفيه، لكنها ترتبط بعوامل أعمق تتعلق بطبيعة المرحلة العمرية التي يمر بها المراهق، إلى جانب الأساليب التي تستخدمها التطبيقات لجذب انتباهه وإبقائه منشغلًا بها.

فما الأسباب التي تجعل المراهق يجد صعوبة في ترك الهاتف، ويعود إليه باستمرار رغم محاولاته الابتعاد عنه؟.

بحسب مقال نشره موقع "Waypoint Wellness Center"، فإن صعوبة ابتعاد المراهقين عن الهواتف ترتبط بثلاثة عوامل رئيسية، هي الدوبامين وآليات جذب الانتباه، والقلق بشأن الصورة الشخصية أمام الآخرين، واللجوء إلى الهاتف بسبب الملل أو التوتر.

شعور المكافأة والمتعة

تستخدم الهواتف وتطبيقات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية أساليب متعددة لجذب انتباه المستخدمين وإبقائهم منشغلين، بدءًا من المحتوى المتحرك والألوان اللافتة، مرورًا بالخوارزميات التي تعرض محتوى يتوافق مع اهتماماتهم، وصولًا إلى الإعجابات والمتابعات التي يحصلون عليها.

وتحفز هذه الأساليب الدماغ على إفراز الدوبامين، الذي يرتبط بالشعور بالمكافأة والمتعة. فعندما يستمتع الإنسان بتجربة ما، يميل إلى تكرارها، وهو ما يفسر عودة المراهق إلى الهاتف لمتابعة محتوى جديد أو التحقق من التفاعلات على منشوراته. ويميل السلوك الذي يمنح الإنسان شعورًا بالمكافأة إلى التكرار، ومع استمرار التعرض للمحفزات، قد تتعزز هذه الدائرة السلوكية، فيجد المراهق نفسه يعود إلى الهاتف بصورة متكررة بحثًا عن الشعور بالمتعة.

الجمهور المتخيل

تتمثل إحدى المهام الرئيسية في مرحلة المراهقة في بناء الهوية واكتشاف المواقف والمعتقدات والأنماط التي تناسب الشخص. ويختبر المراهقون اختياراتهم من خلال تفاعلهم مع أقرانهم، وقد يحتفظون بما يلقى استحسانًا أو يتراجعون عما يقابل بالسخرية أو الانتقاد. ويرتبط هذا السلوك بمفهوم "الجمهور المتخيل"، الذي صاغه عالم النفس ديفيد إلكيند عام 1967، ويشير إلى اعتقاد المراهق أن الآخرين يراقبونه باستمرار ويحكمون على تصرفاته.

فقد يشعر المراهق بأن الجميع يلاحظون مظهره وسلوكه ويتذكرون المواقف المحرجة التي يمر بها، حتى عندما لا يكون الآخرون منشغلين به بالقدر الذي يتصوره. وتزداد هذه المخاوف تعقيدًا مع وسائل التواصل الاجتماعي، التي تتيح بقاء الصور والمنشورات والتجارب الشخصية متاحة بعد مرور سنوات على نشرها.

وقد يدفع القلق بشأن الصورة أمام الآخرين المراهق إلى متابعة حساباته وإدارة ما ينشره، خوفًا من أن تؤثر المنشورات أو المواقف السابقة في نظرة الآخرين إليه. كما يلفت إلى أهمية أن يفكر الآباء قبل نشر صور أبنائهم أو مشاركة تفاصيل عن حياتهم، وأن يضعوا في اعتبارهم احتمال أن تسبب لهم هذه المنشورات الإحراج مستقبلًا.

الملل والتوتر

قد يلجأ المراهق إلى الهاتف عندما يشعر بالملل، بحثًا عن شيء مثير للاهتمام. وفي هذه الحالة، قد ينشغل بمقارنة نفسه بالآخرين عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أو يشارك في نقاشات مثيرة للجدل، أو يبحث عن أخبار شخص كانت تربطه به علاقة سابقة.

وقد يشير استخدام وسائل التواصل الاجتماعي بهذه الطريقة إلى حاجة المراهق إلى مزيد من التواصل المباشر مع الآخرين، أو إلى التوجيه والإشراف بشأن حياته على الإنترنت. لكن الملل ليس السبب الوحيد لاستخدام الهاتف؛ فقد يلجأ إليه المراهق أيضًا عندما يشعر بالتوتر أو بفرط التحفيز من العالم المحيط به، ليصبح المحتوى الذي يشاهده وسيلة للهروب من الواقع.

ويُعد التصفح السلبي، الذي يتمثل في الانتقال العشوائي بين المنشورات من دون البحث عن شيء محدد، سلوكًا يستحق الانتباه، إذ يرتبط بالقلق، وقد يجعل الاعتماد على الإنترنت لتهدئة النفس الابتعاد عن الهاتف أكثر صعوبة. وفي هذه الحالة، ينصح المقال الآباء بالتحدث مع أبنائهم عن حالتهم النفسية وما يشاهدونه عبر الإنترنت، إذ قد يساعدهم ذلك على فهم دوافع استخدام الهاتف وتحديد الطريقة المناسبة لمساعدتهم على تخفيف التوتر.

تقنين استخدام الشاشات

هناك بعض الخطوات التي يمكن للآباء اتباعها لمساعدة أبنائهم على تنظيم استخدام الهواتف، ومنها: تحديد أوقات لاستخدام الهاتف، ووضع قيود على المحتوى، أو تقديم نموذج عملي للانضباط في استخدام التقنية من خلال سلوك الآباء أنفسهم، أو التحدث مع الأبناء عما يشاهدونه عبر الإنترنت وكيف يؤثر فيهم، بجانب توفير بدائل تساعدهم على الحصول على التحفيز أو الراحة الذهنية التي يبحثون عنها عبر الهاتف.

وتساعد توعية المراهق بالطريقة التي تحاول بها التقنية جذب انتباهه على فهم أسباب تعلقه بالهاتف. وبدلًا من الاكتفاء بفرض القيود، يمكن تعريفه بالأساليب التي تدفعه إلى مواصلة الاستخدام، ومساعدته على الاستفادة من مزايا التقنية مع الحد من آثارها السلبية.