يبدو أن الإنترنت يستعد لمرحلة جديدة مع انتشار وكلاء الذكاء الاصطناعي القادرين على تنفيذ المهام نيابة عن المستخدمين، لكن هذه الخطوة قد تجعل الحياة الرقمية أكثر تعقيدًا وإزعاجًا قبل أن تصبح أفضل.
وأطلقت ميتا وكيلها الجديد "Muse"، القادر على استخدام متصفح الويب لتنفيذ مهام دون إشراف مستمر، مثل إلغاء اشتراك في صالة رياضية، والتواصل مع خدمة العملاء، وشراء مستلزمات، وحجز مواعيد، مع إمكانية إجراء مكالمات هاتفية مستقبلًا. وتأتي الخطوة بالتزامن مع إعلان شركات أخرى، بينها OpenAI، عن وكلاء مماثلين.
روبوتات تنافس البشر
يرى خبراء أن المشكلة الأساسية تكمن في أن الإنترنت صُمم للبشر، وليس لمليارات من الأنظمة القادرة على العمل دون حدود الوقت والصبر التي تحكم المستخدمين. وتوضح كالي شرودر، مديرة برنامج الذكاء الاصطناعي وحقوق الإنسان في مركز EPIC، أن وكلاء الذكاء الاصطناعي قد يفاقمون مشكلة الروبوتات التي تتنافس أصلًا على تذاكر الحفلات والمواعيد.
وتشير إلى مثال تذاكر حفلات تايلور سويفت، إذ دفعت الأسعار المرتفعة في الولايات المتحدة بعض المعجبين إلى السفر لأوروبا لحضور حفلاتها. ومع انتشار وكلاء قادرين على شراء التذاكر آليًا، قد يصبح بإمكان الجميع امتلاك "روبوت مضاربة" خاص به.
وقد يمتد الأمر إلى حجوزات المطاعم ومواعيد تجديد جوازات السفر أو رخص القيادة، إذ يمكن للمستخدمين حجز عدة مواعيد تحسبًا لعدم الحصول على الموعد المطلوب، ما قد يدفع الجهات إلى استبدال نظام الأسبقية بآليات مثل القرعة.
ضغط على المواقع والأعمال
تكمن مشكلة أخرى في حجم الطلبات التي يمكن أن تنفذها الوكلاء. فقد تمكن Muse من التواصل مع بائع على Facebook Marketplace، وشراء نوع مفضل من خيط تنظيف الأسنان، والتفاوض للحصول على خصم قدره 31 دولارًا من اشتراك برمجي.
لكن إذا نفذت ملايين أو مليارات الوكلاء مهام مماثلة في الوقت نفسه، فقد تتعرض المواقع لضغط غير مسبوق. وتطرح شرودر مثالًا على وكيل يمكنه إرسال نحو 600 استفسار في اليوم، مقارنة باستفسارين فقط قد يرسلهما المستخدم البشري، وهو فارق قد يغير حجم الطلب على المواقع جذريًا.
وتشير بيانات أوردها النص إلى ارتفاع حركة مرور الروبوتات بنسبة 124% خلال العام المنتهي في يونيو 2026. كما أن الوكلاء لا يتعاملون مع الإنترنت بالطريقة التي يتعامل بها البشر؛ فهم قد يحصلون على إجابات مباشرة من محركات البحث وروبوتات الدردشة دون زيارة المواقع أو مشاهدة الإعلانات أو الاشتراك في الخدمات، ما يهدد نموذج الأعمال الذي تعتمد عليه مواقع كثيرة.
وتحذر شرودر أيضًا من احتمال استخدام وكلاء خارجة عن السيطرة في اختراق شركات أو حكومات، بينما تقول ميتا إن Muse يخضع لبروتوكولات أمان معقدة، ويطلب إذن المستخدم قبل عمليات الشراء، ومصمم بحيث لا يتصرف كروبوت يشتري كل التذاكر أو يعيد تحميل الصفحة مئات المرات في الساعة.
ماذا تعرف ميتا عنك؟
تظهر المخاوف بصورة أكبر عند الحديث عن البيانات الشخصية. فـMuse طلب الوصول إلى البريد الإلكتروني والتقويم والتحكم الكامل في الكمبيوتر على أجهزة Mac، كما اقترح على المستخدم الوصول إلى حساباته المصرفية.
ويقول الكاتب إن حساب Gmail الخاص به، الذي يستخدمه منذ 21 عامًا، يحتوي على نتائج فحوصات طبية، وعقود ووثائق قانونية، ومحادثات عائلية، وإيصالات ومعلومات مالية، وحتى رسائل عاطفية قديمة. وبعد منحه Muse صلاحية الوصول إلى البريد، قرر لاحقًا سحبها وطلب حذف البيانات التي جمعها.
وتقول ميتا إن بيانات Muse لن تُربط بأنظمة الإعلانات، وإن أنظمة خاصة تمنع الذكاء الاصطناعي من رؤية كلمات المرور وبيانات الدفع. كما يمكن للمستخدم عند ربط Gmail اختيار فحص البريد بالكامل أو الرسائل المرتبطة بالمهمة فقط.
لكن النص يشير إلى أن بيانات Muse تُستخدم افتراضيًا لتدريب نماذج ذكاء اصطناعي جديدة، بينما تقول ميتا إنها تزيل المعلومات الشخصية قبل التدريب وتتيح للمستخدم إلغاء ذلك من الإعدادات.
وتظهر مخاوف أخرى بشأن مدى ولاء الوكيل للمستخدم؛ فشرودر تطرح احتمال أن يختار Muse في أثناء التخطيط لرحلة عروضًا من شركاء ميتا بدلًا من أفضل الخيارات، أو يفضل في توصيات الموسيقى فنانين لديهم صفقات مع الشركة. كما تشير إلى أن شروط الخدمة لا تقدم ضمانًا بأنه سيتصرف دائمًا لمصلحة المستخدم.
ثغرة أمنية تزيد المخاوف
تزداد المخاوف بعد اكتشاف الباحث الأمني باتريك واردل، المؤسس المشارك لمؤسسة Objective-See، ثغرة خطيرة في Muse بعد وقت قصير من إطلاقه.
ويقول واردل إن تجربة استمرت نحو 20 دقيقة كشفت إمكانية استغلال الثغرة للتحكم في Muse والبيانات التي يصل إليها، وربما أجهزة أخرى مرتبطة به، مثل الهاتف أو القفل الذكي. وأصلحت ميتا المشكلة سريعًا، لكنها قالت إن إطلاق Muse تأخر لأشهر بسبب اختبارات إضافية للخصوصية والأمان.
الإنترنت يحتاج إلى قواعد جديدة
ويرى راميش راسكار، الأستاذ المشارك في معهد ماساتشوستس للتقنية، أن الوكلاء يشبهون مليارات السيارات التي تتحرك بلا قواعد، مؤكدًا أن الإنترنت يحتاج إلى "قواعد طريق" جديدة. وتعمل شركات وقطاع التقنية على تطوير بروتوكولات ومعايير لتنظيم تعامل الوكلاء مع الإنترنت، فيما بدأت بعض الأنظمة في فرض قيود أو رسوم على الروبوتات التي تستخرج البيانات، وجرى بالفعل تعديل بعض قواعد حجز مواعيد اختبارات القيادة في بريطانيا لمواجهة إساءة استخدام الروبوتات.
ويرى راسكار أن الوكلاء قد يفتحون المجال لاستثمارات وابتكارات ضخمة، لكن ذلك يتطلب قواعد تمنع منح شركة واحدة ميزة غير عادلة. وبينما وجد الكاتب أن Muse مفيد وممتع في بعض المهام، انتهى به الأمر إلى سحب صلاحياته من البريد الإلكتروني وطلب حذف البيانات التي جمعها، بعدما تغلبت مخاوف الخصوصية والأمان على الفائدة التي وجدها في التجربة.




