في بيت محمد الفهيد، لم يكن الصمت يعني غياب الكلام، وإنما أن الحديث يجري بطريقة أخرى، حيث نشأ لأب أصم وأم ناطقة، وكانت لغة الإشارة هي ما يستخدمونه داخل المنزل، حتى غدت بالنسبة إليه لغته الأولى التي يفكر بها ويتواصل من خلالها.
ومحمد بن عبد العزيز الفهيد خبير ومدرب ومترجم لغة إشارة معتمد، اشتهر بجهوده الكبيرة في خدمة وتوعية فئة الصم وضعاف السمع في الوطن العربي.
وقد ترك هذا النشوء أثرًا عميقًا في طفولته، فيقول الفهيد، في حديثه، ضيفًا على عبد العزيز الهديان في بودكاست «مسيّان»، إنه ظل قليل الكلام حتى الصف الثالث الابتدائي، ولم يبدأ امتلاك القدرة على النطق والتواصل الصوتي بصورة أوضح إلا في سنوات لاحقة، غير أنه أتقن لغة الإشارة منذ طفولته المبكرة، فأصبحت وسيلته الأساسية لفهم الأسرة والتفاعل معها.
ولم تكن لغة الإشارة داخل منزله وسيلة للتواصل فحسب، وإنما ثقافة كاملة تستمر بها النقاشات العائلية بالأيدي حتى حين تشتد، وكان لدى الأسرة أحيانًا إشارات ومصطلحات لا يفهمها سوى أفرادها، قبل أن تمتد إلى الأقارب ومجالس العائلة، فتحولت إلى وسيلة طبيعية للتفاهم اليومي.
عالم لا يتحدث لغة واحدة
قادته هذه التجربة المبكرة لاحقًا إلى اكتشاف عالم أوسع من لغة الإشارة، فاختلاف اللغات المنطوقة حول العالم يقابله اختلاف في لغات الإشارة أيضًا، وأن لغة الإشارة ليست نظامًا واحدًا عالميًا، فهناك لغات إشارة متعددة، مع اختلافات محلية تشبه اللهجات في اللغات المنطوقة.
وتبرز هنا مشكلة أخرى لا تتعلق باللغة وحدها، وإنما بمن يستطيع استخدامها بإتقان، إذ يقول الفهيد، إن عدد المترجمين القادرين على نقل المعنى والمشاعر باحترافية شديد الانخفاض مقارنة بعدد الصم الذين يحتاجون إلى هذه الخدمة، ويقدّر عدد الأشخاص الذين يملكون مستوى متقدمًا جدًا في الترجمة بنحو 7 أو 8 أشخاص، وفق تقييمه الشخصي.
حين تبدأ الفجوة من البيت
لا يقف الأمر عند نقص المترجمين وحده، فالفهيد يرى أن الصعوبة تبدأ في وقت أبكر، داخل الأسرة نفسها، فحين يولد طفل أصم في أسرة لا تعرف لغة الإشارة، قد يكبر الطفل من دون بيئة لغوية حقيقية تساعده على التعبير والفهم، ويشرح أن بعض الأطفال قد يصلون إلى سنوات الدراسة وهم لا يملكون سوى وسائل محدودة جدًا للتواصل.
وتنتقل المشكلة عندها إلى المدرسة، فبدل أن يبدأ المعلم تعليم المنهج مباشرة، قد يضطر أولًا إلى بناء اللغة لدى الطالب، ثم استخدام هذه اللغة بوصفها طريقًا إلى المعرفة، وهو ما يجعل مهمة المعلم أكثر تعقيدًا، خصوصًا حين يعود الطالب بعد الإجازة إلى المنزل حيث لا يجد لغة إشارة تساعده على ممارسة ما تعلمه.
ويربط الفهيد بين هذه الفجوة وضعف القراءة والكتابة والتحصيل العلمي لدى نسبة من الصم، ويقول إن المترجم نفسه يحتاج إلى معرفة مستوى الشخص الذي أمامه، لأن نقل المعلومة لا يعني ترجمتها حرفيًا، وإنما إيصالها بالطريقة التي تتناسب مع مستوى فهم المتلقي.
التقنية بين المساعدة والقصور
لا يرى الفهيد مع ذلك أن التكنولوجيا قادرة وحدها على سد هذه الفجوة، فقد اكتشف من تجربته، في تأسيس وإطلاق منصة «هدهد»، وهي مشروع تقني وريادي لخدمة الصم وضعاف السمع، أن توفير النصوص المكتوبة أو المحتوى الرقمي لا يعني بالضرورة إتاحة المعلومة للجميع، لأن بعض المصطلحات قد تكون غير مألوفة لمن يعتمد بصورة أساسية على لغة الإشارة، كما أن انتقال التواصل إلى مكالمات الفيديو سهل حياة الصم، لكنه دفع بعضهم أيضًا إلى الاعتماد أقل على الكتابة، وفق ملاحظاته.
وأحدثت التكنولوجيا في المقابل تحولات حقيقية في حياتهم، إذ يتذكر الفهيد كيف استخدم بعض الصم رموز جهاز البيجر للتواصل داخل البيوت التي يعيش جميع أفرادها فيها من الصم، ثم انتقل التواصل إلى الرسائل، وبعدها إلى مكالمات الفيديو، ومع ظهور الهواتف الذكية، أصبحت المحادثات المرئية وسيلة عملية للتواصل بين أشخاص يتحدثون لغة الإشارة، حتى عبر مسافات بعيدة.
حين تكون الترجمة مسألة حياة
تظل الحاجة إلى المترجم مع ذلك حاضرة بقوة في المجالات الحساسة، خصوصًا المحاكم والمستشفيات والإجراءات الحكومية، ويصف الفهيد الترجمة القضائية بأنها مسؤولية قد تؤثر مباشرة في حياة الإنسان، لأن خطأً واحدًا في نقل معنى كلام شخص أصم قد يغيّر مسار قضية كاملة.
ويشير إلى أن بعض القضايا الحساسة تستدعي الاستعانة بأكثر من مترجم للتأكد من دقة الترجمة، كما يروي واقعة اكتشف خلالها أن مترجمًا آخر لم يكن ينقل كلام أحد الأطراف بصورة صحيحة، ما اضطره إلى التدخل ونقل الرسائل بين الطرفين حتى جرى حل المشكلة.
وساهمت هذه التجارب، بحسب الفهيد، في نشوء حالة من الشك لدى بعض الصم تجاه المترجمين، فالشخص الذي اضطر مرارًا إلى الاعتماد على وسيط للتواصل قد يصبح أكثر حساسية تجاه أي احتمال للاستغلال أو سوء الفهم، وهو ما يجعل الثقة عنصرًا أساسيًا في عملية الترجمة.
من ألم العائلة إلى مسار العمل
تتجاوز القضية التواصل اليومي إلى التعليم الديني والصحي، إذ يروي الفهيد أن اهتمامه بهذا المجال بدأ بعد مشاهدته المعاناة التي واجهها والده في المستشفيات والإجراءات الحكومية، وكان ذلك أحد الأسباب التي دفعته إلى تغيير مساره من التفكير في دراسة الطب إلى العمل في مجال لغة الإشارة.
بدأ بعدها بالمساهمة في تعليم الصم قراءة القرآن وترجمة المحتوى الديني إلى لغة الإشارة، ثم انتقل إلى التوعية الصحية وتدريب العاملين في القطاع الصحي، قبل أن يدخل مجال الترجمة في المحاكم، ويقول إن الدافع كان البحث عن المشكلات التي يواجهها الصم ومحاولة معالجة كل واحدة منها في مجالها.
الفهيد يصحح الصورة الذهنية
يؤكد الفهيد أن تصحيح الصورة الذهنية عن الصم يبدأ من التعامل معهم كأشخاص قبل النظر إليهم بوصفهم ذوي إعاقة، كما يرفض الاعتقاد بأن كل أصم أبكم، موضحًا أن فقدان السمع لا يعني بالضرورة فقدان القدرة على الكلام، وأن البكم حالة مختلفة ونادرة.
ويرى أن الحل لا يكمن في مطالبة الصم وحدهم بتعلم أدوات المجتمع، وإنما في تعلم المجتمع أيضًا لغة الإشارة وفهم احتياجات هذه الفئة، ويشير إلى وجود خدمات حكومية تتيح الترجمة عن بعد، مع مبادرات تقنية ومحتوى مخصص للصم، لكنه يرى أن الوصول الحقيقي يبدأ عندما تصبح لغة الإشارة جزءًا طبيعيًا من الحياة العامة.
ويختصر الفهيد في نهاية حديثه الرسالة التي يريد إيصالها في فكرة واحدة، فـ«لا يحتاج الأصم إلى أن يعامله الناس باعتباره أقل قدرة، وإنما إلى أن يجد وسيلة عادلة للتواصل معهم»، وعندما تصبح اللغة جسرًا متاحًا للطرفين، يتحول ما يبدو عائقًا فرديًا إلى مسألة يمكن للمجتمع أن يعالجها معًا.














