بعد أكثر من ثلاثة عقود على غرقها، لا تزال الغواصة النووية السوفيتية "كومسوموليتس" تثير مخاوف العلماء، بسبب احتمال تسرب مواد مشعة إلى بحر النرويج مع استمرار تآكل هيكلها.
غرقت الغواصة في 7 أبريل 1989 قبالة السواحل النرويجية بعد اندلاع حريق على متنها. وتمكن الطاقم من إبقائها طافية لمدة خمس ساعات قبل أن تغرق على عمق يقارب 1.6 كيلومتر، ما أدى إلى مقتل 42 من أصل 69 من أفراد الطاقم.
كواليس وراء الغواصة السوفيتية
وفي عام 1993، وصف الناشط الروسي في منظمة غرينبيس، ديمتري ليتفينوف، الغواصة بأنها "قنبلة موقوتة تدق في قاع بحر النرويج"، محذرًا من أن عدم التحرك سريعًا قد يعرض الجميع للخطر.
وكانت "كومسوموليتس" من أكثر الغواصات السوفيتية تطورًا، إذ صُممت لتغوص حتى عمق 1000 متر وتطلق صواريخ نووية من هناك، وهو ضعف العمق الذي كانت تستطيع الغواصات الغربية العمل فيه آنذاك. لكن المشروع توقف بعد بناء هذه الغواصة فقط.
وفي أثناء غرقها، أدى انفجار إلى تمزق هيكلها المصنوع من التيتانيوم، ما سمح لمياه البحر بالوصول إلى طوربيدين نوويين يحملان نحو 4 كيلوغرامات من البلوتونيوم. كما أظهرت بعثة روسية لاحقًا أن أجزاء من الهيكل "انفجرت وتفتتت كما لو كانت زجاجًا".
هل يشكل الحطام خطرًا؟
بعد الحادث، اختلف العلماء بشأن حجم الخطر، وقال العالم الروسي إيغور سباسكي، من معهد روبين الذي صمم الغواصة، إن الوضع ليس كارثيًا، لكنه دعا إلى انتشالها من البحر.
وأضاف أن الرؤوس الحربية النووية ستتعرض مع مرور الوقت للتآكل بفعل مياه البحر، ما قد يؤدي إلى تسرب البلوتونيوم شديد السُمية إلى البيئة، في المقابل، خلص تقرير أعده فريق دولي من العلماء عام 1993 إلى أن الغواصة من غير المرجح أن تسبب تلوثًا لمصائد الأسماك.
ولتقليل المخاطر، نُفذت بين عامي 1995 و1996 أعمال هندسية لسد شقوق الهيكل وأنابيب الطوربيدات بهدف احتواء المواد المشعة، وانتهت هذه الأعمال في يوليو 1996، لكن تحقيقات الحكومة النرويجية كشفت لاحقًا أن الغواصة لا تزال تتسرب، وأن المادة المستخدمة في العزل كان عمرها الافتراضي نحو 30 عامًا فقط.
ماذا تقول أحدث التقارير؟
بحسب تقرير نُشر في مارس 2026، لا تزال الطوربيدات محكمة الإغلاق، لكن المفاعل النووي يتدهور ويطلق بين الحين والآخر سحبًا من المواد المشعة عبر فتحات في هيكله.
وأوضح فريق من الهيئة النرويجية للإشعاع والسلامة النووية أن التسرب يحدث على دفعات متقطعة وليس بشكل مستمر.
وقال إنجار أموندسن، القائم بأعمال مدير إدارة السلامة والأمن النووي الدولي، إن الانبعاثات الحالية "لم يكن لها تأثير يُذكر على البيئة البحرية المحيطة".
لكن هانز كريستنسن، مدير مشروع المعلومات النووية في اتحاد العلماء الأمريكيين، يرى أن الخطر قد يزداد مع استمرار تآكل الغواصة، موضحًا أن ذلك يعتمد على عوامل مثل مستوى الأكسجين في مياه البحر وحالة المادة العازلة.
وأشار أيضًا إلى أن تغير التيارات البحرية قد يؤثر في انتشار المواد المشعة، وقد يسمح بوصولها إلى السلسلة الغذائية عبر الكائنات القاعية والأسماك، مضيفًا: "إن إغلاق الغواصة مسبقًا يُعد اعترافًا رسميًا بهذا الخطر".
من جانبه، قال أموندسن إن الوقود النووي أصبح على اتصال مباشر بمياه البحر، وهو ما يستدعي مزيدًا من الدراسات لفهم آليات التآكل والتسرب، لكنه أشار إلى أن تنفيذ أي عمليات جديدة يظل صعبًا بسبب وجود الغواصة على عمق يقارب 1700 متر، ولا توجد حاليًا خطط معلنة للتعامل معها.
ويؤكد كريستنسن ضرورة إرسال بعثة جديدة لتقييم الوضع، مشيرًا إلى أن البلوتونيوم المستخدم في الرؤوس الحربية يمتلك عمر نصف يبلغ 24 ألف عام، ما يعني أنه سيظل مصدر خطر محتمل لفترة طويلة جدًا وفق المقاييس البشرية.














