في أعماق حوض الكونغو بوسط إفريقيا ثاني أكبر غابة استوائية مطيرة في العالم حيث تنشط تجارة العاج غير المشروعة، والتي تجمع علاقة مصيرية بين خشب الأبنوس والفيلة وعازفي الجيتار حول العالم.
فوفقًا للاتحاد الدولي لحفظ الطبيعة (IUCN)، تسبب الصيد الجائر والممارسات البشرية الخاطئة في انقراض نحو 80% من أفيال الغابات الإفريقية خلال العقود الثلاثة الماضية؛ وهو ما بدأ يفرض ضغوطاً متزايدة على سلاسل توريد الأخشاب الثمينة، وعلى رأسها خشب الأبنوس، الذي يدخل في المكونات الأساسية لصناعة الآلات الموسيقية الفاخرة ومن بينها الغيتارات.
العلاقة بين الأبنوس والفيلة والغيتارات
كشفت الأبحاث الميدانية، التي اعتمدت على رصد حركة الكائنات وتحليل العينات الطبيعية في محمية "دجا" بالكاميرون، أن دورة تجدد الأشجار المنتجة لـ خشب الأبنوس تكاد مستحيلة بدون الفيلة، التي تعمل بمثابة "المهندس الحيوي" للغابة. وأكد الدكتور فينسنت ديبلاو، المحلل البيئي ورئيس فريق "مشروع الأبنوس"، أن الباحثين نجحوا في كشف تفاصيل هذه الآلية الطبيعية من خلال دمج تقنيات متطورة شملت مصائد الكاميرا الخفية والتحليل المختبري الدقيق لعينات السماد.
وجاءت النتائج لتكشف أن الفيلة تساهم في تحقيق الانتشار الجغرافي والتنوع الجيني للأشجار، وذلك عندما تتغذى على ثمار الأبنوس وتحمل بذورها داخل أمعائها لمسافات طويلة تصل إلى عدة كيلومترات قبل أن تفرزها في مناطق جديدة، وهو انتقال حيوي يضمن انتشار الغطاء النباتي.
كما كشف الفحص المختبري للدراسة عن دور الجهاز الهضمي للفيلة كمحفز طبيعي ودرع تحصين للبذور، حيث تمر البذور أثناء رحلتها داخل أمعاء الفيلة بعملية تليين كيميائية حيوية تزيد من قدرتها على اختراق قشرتها والإنبات فور خروجها إلى التربة. وأشارت النتائج إلى أن الروث ذاته المحيط بالبذور الملقاة على أرضية الغابة يوفر لها بيئة حاضنة فائقة الغنى بالمغذيات الأساسية، إذ يشكل درعاً كيميائياً ذا رائحة منفرة تمنع القوارض والآفات من التهام البذور قبل نموها.
وخلصت النتائج إلى أن غياب الفيل الإفريقي بسبب الصيد الجائر يؤدي مباشرة إلى انهيار حاد ومباشر في معدلات نمو أشجار خشب الأبنوس الفتية، وهي أزمة هيكلية وتراكمية تؤكد المؤشرات العلمية أنه لا يمكن حلها أو تعويضها بواسطة خطط التشجير الاصطناعية التقليدية بين ليلة وضحاها.
التداعيات على صناعة الغيتارات
يعتبر خشب الأبنوس المادة الأهم في صناعة لوحات الأصابع في الجيتارات ومفاتيح البيانو الكلاسيكي، بفضل كثافته الفائقة وقدرته العالية على تحمل الاحتكاك ونقل الموجات الصوتية بنقاء لا مثيل له. ومع شح الإمدادات الناتجة عن الاضطرابات البيئية، أعلنت شركات عالمية كبرى، من بينها شركة "تايلور للجيتارات" الأمريكية، أن التدهور البيئي الراهن يهدد استدامة خطوط إنتاجها في المستقبل.
ودفع هذا النقص مصانع أوروبية وأمريكية إلى سحب كميات من مخزوناتها الاحتياطية القديمة، مما تسبب في ارتفاع مطرد في تكاليف المشتريات والشحن.
من جانبهم، بدأ الخبراء في الكاميرون تطبيق استراتيجيات حماية تقوم على المنفعة المتبادلة مع السكان المحليين؛ حيث لا تقتصر الجهود على زراعة الأشجار في مشاتل خاصة، بل تشمل زراعة أشجار الفاكهة المحلية معها لدعم الأمن الغذائي ومحاربة الفقر، مما يحول المجتمعات المحلية إلى حراس للغابة ومحاربين للصيد الجائر.
وحتى الآن، نجحت مبادرات الاستدامة بقيادة "مشروع الأبنوس" في استزراع أكثر من 40 ألف شجرة، بهدف بناء قاعدة توريد مستقبلية مستقرة وأكثر صموداً. وتثبت هذه الحالة العلمية بنحو قاطع أن الحفاظ على الفيل الإفريقي هو في الواقع حفظ لتدفق النغمات والموسيقى حول العالم.














