تخيل مراهقًا يجلس في غرفته وهو يقلب في هاتفه بسرعة البرق لتظهر أمامه فجأة أخبار تزعم اكتشافًا علميًا مذهلاً، أو ربما يشاهد مقطع فيديو يبدو واقعيًا تمامًا رغم كونه مجرد نتاج للذكاء الاصطناعي، وفي تلك اللحظة الحاسمة يبرز التساؤل عما إذا كان سيندفع لتصديق ما يراه أم أنه سيتوقف قليلًا ليسأل نفسه عن صانع هذا المحتوى والهدف الحقيقي منه.
إن هذا السؤال البسيط هو تحديدًا ما يفصل بين كونه ضحية سهلة للتضليل الرقمي، أو امتلاكه عقلاً محصنًا بأدوات النجاة في عصر الخوارزميات المعقدة، ومع تعالي الأصوات المطالبة بفرض حظر شامل على السوشيال ميديا لصغار السن أو رفع سن الاستخدام يبرز اتجاه جديد يرى أن الحل الحقيقي لا يكمن في مجرد إغلاق الشاشات وإنما يتجسد في تسليح العقول.
وفي هذا السياق ترى الدكتورة ماري ديفيز وهي المحاضرة البارزة في علوم التعليم بجامعة أوكلاند بنيوزيلندا أن تعليم الأطفال مهارة التفكير الناقد في وقت مبكر يمثل الدرع الأقوى الذي يمكننا منحه لهم لحمايتهم من المعلومات المضللة والمخاطر السيبرانية المتعددة.
ويأتي هذا التوجه في وقت تلاحظ فيه كارا ألايمو أستاذة الاتصالات بجامعة فيرلي ديكنسون تحولاً مثيرًا للقلق داخل قاعات المحاضرات الجامعية، حيث تؤكد ألايمو أن قدرة الطالب الجامعي المتوسط على صياغة حجج قوية أو دحض الآراء المعارضة شهدت تراجعًا ملحوظًا خلال العقد الماضي.
وتعزو أستاذة الاتصالات هذا التدهور جزئيًا إلى عملية التحقق المستمر من الشاشات التي سلبت الشباب قدرتهم على التركيز العميق، ومن المؤكد أن هذا النقص في التفكير الناقد يجعل المراهقين عرضة ليس فقط للأخبار الزائفة وإنما يمتد الأمر ليشمل عمليات الاحتيال والمخاطر الأخرى التي تتربص بهم خلف الرموز التعبيرية والمنشورات الجذابة.
وقد رسمت ألايمو في كتابها الصادر عام 2024 تحت عنوان «تأثير مفرط.. لماذا تعتبر السوشيال ميديا سامة للنساء والفتيات» صورة واضحة لضرورة استعادة السيطرة على الفضاء الرقمي عبر مساري الوعي والتحليل.
وانطلاقًا من هذا الواقع تحدد الدكتورة ماري ديفيز التفكير الناقد بكونه القدرة على استجواب المعلومات وتحليلها ثم تقييمها بعناية قبل اتخاذ أي قرار بشأن ما يجب تصديقه أو فعله معتبرة أن الأمر يتعلق بوزن الأدلة والنظر في الحجج المضادة لتحديد الادعاء الأقوى.
وتوضح ديفيز أن غرس هذه المهارة يتفوق بمراحل على فكرة الحظر المطلق وذلك لأننا إذا حظرنا المنصات فلن يستيقظ الأطفال في عيد ميلادهم السادس عشر بذكاء فطري حول كيفية عمل الخوارزميات، فالمفتاح الحقيقي يكمن في غرس ما تصفه بـ«الكفاءة الذاتية» فعندما يفهم المراهق كيف تتلاعب به المنصات سيصبح أكثر دهاءً كما أن هذا الوعي بحد ذاته يسهم في تقليل القلق الناتج غالبًا عن فقدان السيطرة حيث يمنحهم التفكير الناقد تلك السيطرة المفقودة. وتتعزز هذه الأهمية بوجود حقيقة بيولوجية مذهلة تفرض ضرورة التحرك السريع إذ يمر الدماغ في سن الحادية عشرة للفتيات والثانية عشرة للفتيان بمرحلة من التغيير العصبي الجذري تكون فيها المادة الرمادية في أقصى طاقتها وهي فترة توصف بأنها مرحلة «استخدمها أو افقدها».
وتُشبه ديفيز هذه المرحلة بتعلم رياضة التنس فإذا تدرب الطفل يوميًا ستتعزز الروابط العصبية وتصبح ثابتة بينما إذا لم يمارس مهارات التفكير والتحليل فإن تلك الوصلات العصبية سيتم قطعها حرفيًا، ولذلك فإن تعليم المراهقين في هذا العمر كيف يكونون «أذكياء في التعامل مع الشوارع الرقمية» والذكاء الاصطناعي يعد ضرورة لنموهم الدماغي السليم قبل أن يكون مجرد خيار تعليمي.
وبالنظر إلى المستقبل وفي عالم يتجه نحو الاعتماد الكلي على الذكاء الاصطناعي لتلخيص البيانات وتوليد الأفكار تبرز قيمة التفكير الناقد كميزة تنافسية لا تقدر بثمن في سوق العمل، وهنا تحذر ديفيز من أن الاعتماد المفرط على الأدوات الرقمية للتفكير نيابة عنا سيعيق بالضرورة تطور المهارات الإبداعية خاصة وأن أصحاب العمل في المستقبل سيبحثون عن الأشخاص القادرين على حل المشكلات الناشئة التي لا تملك برامج الذكاء الاصطناعي بيانات سابقة عنها. فالذكاء الاصطناعي يعتمد في جوهره على البيانات الموجودة مسبقًا غير أن العالم يحتاج إلى عقول مرنة تفكر بطرق جديدة وجريئة لمواجهة أزمات لم تكن متوقعة، ولتحقيق هذه الغاية لا يتطلب تعليم التفكير الناقد تقديم محاضرات أكاديمية طويلة في المنزل وإنما يبدأ الأمر من الحوارات اليومية البسيطة حيث تقترح ديفيز أن يتبنى الآباء لغة التشارك عبر قولهم «دعنا نبحث عن هذا الأمر معًا» وذلك لإشعار الطفل بأنه ليس وحده في مواجهة فخاخ الخوارزميات. وبدلاً من سؤال المراهق «ما دليلك على هذا؟» بلهجة استجوابية يمكن للوالدين استخدام عبارات أكثر انفتاحًا مثل قولهم «لست متأكدًا من ذلك، ما الذي رأيته أو سمعته وجعلك تقول هذا؟».
كما تؤكد ديفيز على أهمية تمثيل سلوك «تغيير الرأي» أمام الأبناء فعندما يرى الطفل والده يغير رأيه بشأن قضية ما بناءً على أدلة جديدة فإنه يتعلم أن المرونة الفكرية هي علامة قوة وليست ضعفًا، وفي نهاية المطاف يبقى الاستماع هو المفتاح الذهبي الحقيقي فرغم محاولات المراهقين للابتعاد أو إغلاق الأبواب فإنهم يبحثون في أعماقهم عن القرب والأمان، وبناء علاقة قوية قائمة على الدردشة المنتظمة هو ما سيجعلهم يلجؤون إلى والديهم عند الوقوع في فخ «التمرير اللانهائي» أو مواجهة محتوى متطرف عبر الإنترنت.














