في عالم الأزياء الرجالية الكلاسيكية، يبرز مصطلح "أزرار أكمام الجراح" الذي قد يثير الفضول لدى غير المختصين. هذه الأزرار ليست مجرد تفصيل زخرفي، بل كانت تُستخدم في السترات للسماح للجراح بطي الكم خلال العمليات دون إعاقة، وهو ما يمنح التصميم وظيفية عملية إلى جانب جاذبيته الجمالية.
سر الأزرار الأربعة في كُم البدلة
تاريخيًا، ارتبطت هذه الخاصية بالملابس العسكرية، وترد بعض الروايات حول البحرية البريطانية التي أضافتها لمنع الجنود من مسح وجوههم بأكمامهم، لكنها تطورت لاحقًا لتصبح رمزًا للأناقة واهتمام المصممين بالتفاصيل.
وتكثر الأساطير حول أصل أزرار الأكمام، ويُقال أحيانًا إن اللورد نيلسون أدرجها في زي البحرية البريطانية لهذا الغرض. تظهر لوحة تعود لعام 1767 نيلسون في الثامنة عشرة من عمره بزي عسكري يحتوي على هذه الأزرار، لكن من المستبعد أن يكون طفل في التاسعة قد ابتكر هذه الطريقة.
كما تذكر بعض الروايات فريدريك العظيم ونابليون، مشيرة إلى إضافة أزرار معدنية لمنع الجنود من مسح وجوههم، إلا أن هذه القصص خرافية غالبًا، وتُخلط أحيانًا مع أصل الأساور الفرنسية على القمصان. وتشير الحقيقة التاريخية إلى أن الأزرار والأساور على أكمام السترات تعود إلى القرن السابع عشر، حيث كانت تجمع بين العملية والأناقة .
في خمسينيات القرن السابع عشر، ظهرت المعاطف ذات الأكمام المزودة بعدد كبير من الأزرار، ما منح مرتديها مرونة في حركة الذراع، مع إمكانية تثبيت الكم داخل المعطف لمزيد من الدفء. تميز طرف الكم العريض والمتدلي بقدر كبير من الحرية، مما شكل الأساس لتصاميم المعاطف اللاحقة، حيث أصبحت الأكمام أنحف وأكثر ملاءمة للجسم، والأساور مطوية ومثبتة بعدد محدود من الأزرار، يصل أحيانًا إلى ثلاثة فقط، مقارنة بالمعطف الذي قد يضم ما يصل إلى 46 زرًا.
بحلول سبعينيات القرن السابع عشر، بدأت الأساور تُخاط كقطع مستقلة على الأكمام، بينما تحولت الأزرار إلى عناصر زخرفية بحتة. وقد انعكس هذا النمط الجديد في الأزياء العسكرية، ما سهل على المؤرخين تتبع تطور الأزرار والأساور منذ ذلك الحين، مؤكّدًا التحوّل من وظيفة عملية إلى رمز جمالي في الملابس الرجالية
في القرن الثامن عشر، كانت الأساور المطوية في السترات مزينة بأزرار دقيقة ومتعددة، مع ميل الأكمام نحو الضيق، خصوصًا في الزي العسكري البريطاني حيث تحولت الأزرار من صفوف أفقية إلى ترتيب عمودي يمكن فتحه من المعصم. هذه التصاميم العملية منحت حرية حركة أكبر، رغم أن الكثير منها أصبح لاحقًا زخرفيًا.
مع نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر، استمرت البدلات الرسمية في اعتماد أساور ضيقة قابلة للطي مع أزرار زخرفية، بينما قلّ عدد الأزرار تدريجيًا حول المعصم. استمرت الأساور المخيطة أو الغرز المحاكية لها حتى نهاية العصر الإدواردي، لتصبح صفوف الأزرار العمودية معيارًا يُعرف لاحقًا بمصطلح "كفة الجراح" الذي يُرجَّح أنه نشأ في شارع سافيل رو، مركز الخياطة الراقية للأثرياء.
في القرن التاسع عشر، أصبح ارتداء السترة أمرًا اعتياديًا للرجال المحترمين، بما في ذلك الجراحون الذين كانوا يخرجون إلى الميدان بكامل زيهم الرسمي. ومع كثرة الحركة أثناء معالجة المرضى، كانت أكمامهم وأساورهم غالبًا ما تتسخ، وكان رفع الكم غير عملي لأنه كان ينزلق بسهولة ويعيق الحركة.
بحلول أواخر القرن التاسع عشر، بدأ الجراحون في شارع سافيل رو يطلبون أزرارًا عملية على أساور ستراتهم لتسهيل الحركة، ما أدى إلى ظهور ما يعرف اليوم بـ"أساور الجراح"، حيث تم دمج الوظيفة العملية مع الأناقة في التصميم
"أزرار الجراح رمز الأناقة"
لم تعد أزرار أكمام الجراح مجرد تفصيل صغير في السترات الرجالية، بل أصبحت رمزًا للأناقة والثراء. يرتبط هذا التصميم تاريخيًا بشارع سافيل رو الشهير، حيث اعتاد الرجال الفاخرون ترك زر واحد مفتوح لإظهار الوظيفة العملية للزر، في رسالة غير مباشرة عن الذوق والقدرة على اقتناء الجودة.
انتشرت هذه الميزة لاحقًا بين خياطين ودور أزياء أخرى، حتى خارج سافيل رو، لتضمين أزرار عملية على أكمام السترات الجاهزة. وتعد صناعة أزرار الجراح ليست بأمر سهل؛ فخياطة عروة الزر يدويًا تتطلب مهارة عالية ووقتًا طويلًا، حيث تُخاط غرزة عروة الزر الصغيرة والكثيفة بطريقة مشابهة لغرزة البطانية، لتضفي لمسة احترافية على السترات الفاخرة
مع تراجع الحاجة العملية لأزرار الأكمام الجراحية بسبب تحسين ممارسات النظافة بين الجراحين، حافظت هذه الغرز على قيمتها التاريخية والجمالية، مما دفع العديد من ماركات البدلات الجاهزة إلى دمج أزرار عملية في أكمام ستراتها لمسة من الأناقة التقليدي.
وبذلك، يتضح أن وجود أزرار عملية على السترات يمنح تجربة فريدة، خاصة إذا كانت مخيطة يدويًا. ويمكن إبقاء الأزرار مغلقة أو مفتوحة لإضفاء لمسات مختلفة على الإطلالة، ما يبرز التاريخ العريق للأكمام في عالم الأزياء.
اقرأ أيضًا:
سرقة 12 طنًا من شوكولاتة كيت كات!
زراعة المعكرونة والشم عبر الشاشة.. أشهر خدع كذبة أبريل في العالم
لماذا يصرّ البعض على ربط الحضارات القديمة بالكائنات الفضائية؟













