أحدث اكتشاف النفط في السعودية تحولًا جذريًا في خارطة الطاقة العالمية، حيث مثلت بئر الدمام رقم 7، المعروفة بـ "بئر الخير"، حجر الزاوية في بناء الاقتصاد السعودي الحديث.
ومع تدفق الزيت بكميات تجارية لأول مرة في مارس 1938، طوت المملكة صفحة وبدأت زمنًا جديدا ارتبط فيه اسم جبل الظهران بمستقبل الصناعة النفطية الدولية.
صراع اليأس والأمل بتاريخ اكتشاف النفط في السعودية
بدأت الرحلة التاريخية بوصول الجيولوجيين الأوائل إلى تلال الظهران في سبتمبر 1933، وذلك عقب إبرام اتفاقية الامتياز بين الحكومة السعودية وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا "سوكال".
ورغم الطموحات الكبيرة، واجهت عمليات التنقيب الأولية تحديات فنية وجيولوجية قاسية استمرت لعامين دون تحقيق أي نجاح يذكر، مما وضع المشروع على حافة الإخفاق.
وقرر الخبراء في أبريل 1935 بدء حفر بئر الدمام رقم 1، إلا أن الأعطال الميكانيكية وتذبذب المؤشرات بين ظهور الغاز وتوقف التدفق أجبرت الطواقم على إغلاقها بالأسمنت.
ولم تكن بئر الدمام رقم 2 بأفضل حالا في بدايتها، فرغم تدفق النفط منها بمعدلات واعدة وصلت إلى 3840 برميلًا يوميًا بعد المعالجة بالحامض، إلا أنها سرعان ما بدأت تنتج المياه بكميات تفوق الزيت بثمانية أضعاف، مما أعاد حالة التشاؤم إلى غرف إدارة الشركة.
واستمرت سلسلة الإخفاقات مع الآبار رقم 3 و4 و5 و6، حيث تراوحت النتائج بين إنتاج نفط ثقيل ممزوج بالماء أو العثور على آبار جافة تمامًا.
وفي ظل هذه الأجواء القاتمة، برز دور كبير الجيولوجيين ماكس ستاينكي، الذي أصر على الاستمرار في الحفر لعمق أكبر، مراهنا على وجود طبقة جيولوجية مسامية تختزن "نهر الخير" الذي طال انتظاره.
المنعطف الحاسم في مسيرة اكتشاف النفط في السعودية
انطلقت أعمال الحفر في البئر رقم 7 في ديسمبر 1936 لتكون بئر اختبار عميقة، وشهد أكتوبر 1937 ظهور أولى بشائر النفط على عمق 1097 مترًا.
وبالرغم من تعرض البئر لثوران مفاجئ وفقدان السيطرة على معدات التحكم في نهاية ذلك العام، إلا أن الإرادة لم تنكسر، ليتحقق الأمل المرجو في 4 مارس 1938 عند عمق 1440 مترًا، حيث تدفق النفط بمعدل 1585 برميلًا يوميًا، قفز سريعًا ليصل إلى 3810 براميل خلال أيام قليلة.
وأدى هذا النجاح الباهر إلى إعلان اكتشاف النفط في السعودية بكميات تجارية رسميًا، وهو ما دفع الملك عبدالعزيز آل سعود للقيام بزيارة تاريخية إلى مخيم الظهران في عام 1939.
وتزامنت الزيارة مع اكتمال خط أنابيب بطول 69 كيلومترا يربط الحقل بميناء رأس تنورة، حيث أدار الملك بيده الصمام لتعبئة أول شحنة نفط سعودية على متن الناقلة "دي. جي. سكوفيلد"، معلنًا انطلاق المملكة نحو الريادة العالمية.
وتوسعت أعمال الشركة التي تحول اسمها لاحقًا إلى "أرامكو"، لتسجل أرقامًا قياسية مع نهاية الأربعينيات، حيث بلغ الإنتاج 500 ألف برميل يوميًا في عام 1949.
وتوالت الإنجازات بإنشاء خط "التابلاين" في عام 1950، الذي يعد أطول خط أنابيب في العالم، ليربط شرق المملكة بالبحر الأبيض المتوسط، متبوعًا باكتشاف حقل السفانية في عام 1951 كأكبر حقل نفط بحري عالميًا.
واختتمت بئر الدمام رقم 7 مسيرتها الإنتاجية في عام 1982 بعد أن ضخت أكثر من 32 مليون برميل، ليصدر الملك عبدالله بن عبدالعزيز في عام 2008 أمرًا بإعادة تسميتها "بئر الخير"، تقديرًا للدور المحوري الذي لعبته في صياغة التاريخ الاقتصادي للبلاد.
ويظل اكتشاف النفط في السعودية الحكاية الأكثر تأثيرًا بشبه الجزيرة العربية في القرن العشرين، حيث مهد الطريق لإنتاج تراكمي تجاوز المليارات، ووضع المملكة في قلب الاقتصاد العالمي كأهم مورد للطاقة في العصر الحديث.














