في أكتوبر 2025، لم يحتج اضطراب خدمات أمازون ويب إلى انهيار مبنى أو عطل شبكة الإنترنت كي يصل أثره إلى مستخدمين حول العالم. بدأ الخلل في نظام أسماء النطاقات لقاعدة بيانات «داينامو دي بي» في منطقة فرجينيا الشمالية؛ أي في الآلية التي تساعد الأنظمة على العثور على عنوان الخدمة. ثم ظهرت مشكلات في خدمات أخرى تعتمد عليها.
وامتد الحادث يومي 19 و20 أكتوبر حينما أبلغ مستخدمون عن تعطل تطبيقات مثل سناب شات وريديت، وتأثرت خدمات مالية وألعاب وأعمال.
لكن السؤال الأهم من أسماء المتضررين هو: ماذا يحدث لشركة ما حين تبقى شاشتها متاحة، بينما يتعذر الوصول إلى النظام الذي يدير ما وراءها؟
أربع شركات في صباح واحد
لنتخيل الآن أربع شركات تقنية افتراضية تمامًا، لا تمثل شركات حقيقية، تعتمد على خدمات سحابية أصابها اضطراب واسع. نفترض أن لكل منها تصميمًا مختلفًا وخطة تعافٍ مختلفة. ما يأتي سيناريو توضيحي محتمل، وليس وصفًا لما فعلته شركات بعينها في حادث أمازون، ولا توقعًا حتميًا لأي عطل مقبل.
في شركة للتجارة الإلكترونية، يستطيع الزائر رؤية صور المنتجات المحفوظة مؤقتًا، لكنه يعجز عن إتمام الشراء لأن قاعدة بيانات الطلبات لا تستجيب. في سيناريو الشركة غير المستعدة، يكرر العملاء المحاولة وتتراكم الطلبات. أما الشركة التي جهزت بديلًا واختبرته، فتوقف تأكيد الطلبات التي لا تستطيع التحقق منها، وتعرض تنبيهًا واضحًا، ثم تحول التشغيل إلى بيئة أخرى بعد التأكد من جاهزيتها وحداثة بياناتها.
بقاء واجهة المتجر لا يعني بقاء التجارة
وفي شركة للمدفوعات، تظهر معضلة أشد حساسية: معاملة أُرسلت، لكن تأكيد نتيجتها لم يصل. نفترض أن فريقها يضع هذه العمليات قيد التحقق بدل إعلان نجاحها أو مطالبة العميل بتكرار الدفع فورًا. وبعد استعادة الاتصال، يراجع السجلات ويطابق النتائج قبل إعادة المحاولة. هنا لا تقاس جودة الاستجابة بسرعة العودة وحدها؛ بل أيضًا بآلية الحل وتالعامل مع الموقف.
أما شركة أدوات العمل عن بُعد، فنفترض أنها وزعت الاتصال والتسجيل على أنظمة منفصلة. قد يستمر اجتماع بدأ بالفعل، بينما يتعطل حفظ تسجيله أو دخول مستخدم جديد إذا تأثرت خدمة التحقق من الهوية. تختار الشركة في هذا التصور إبقاء طريقة التشغيل المتاحة وإيقاف التسجيل مؤقتًا، مع إبلاغ المشاركين، بدل إسقاط الخدمة كلها. النجاح الجزئي ممكن، لكنه يعتمد على فصل المكونات قبل الأزمة، لا على قرار مرتجل خلالها.
وتواجه شركة تقدم مساعدًا بالذكاء الاصطناعي احتمالًا آخر: واجهة المحادثة تعمل، لكن نظام توليد الإجابات أو قاعدة المعرفة لا يستجيب. نفترض أن لديها بديلًا مجهزًا سلفًا؛ فتتيح بحثًا تقليديًا في محتوى متاح، وتعلن توقف التوليد مؤقتًا. وإذا لم تجهز بديلًا، فلن يخلقه فريقها بضغطة زر. وتعطل الوصول إلى المحادثات لا يعني بالضرورة أن البيانات حُذفت؛ فقد يكون العجز مؤقتًا في تشغيل الخدمة أو بلوغ مخزنها.
لماذا لا يكفي خادم احتياطي؟
توقف مركز بيانات مادي قد يرتبط بالكهرباء أو التبريد أو الاتصال. أما تعطل خدمة مشتركة داخل منطقة سحابية فقد يؤثر في تطبيقات موزعة على أكثر من موقع. لذلك يحمي التوزيع بين مواقع مستقلة داخل المنطقة من بعض الأعطال المحلية، بينما قد تتطلب مواجهة اضطراب إقليمي بيئة تعافٍ في منطقة أخرى، ببيانات وخدمات واتصالات جاهزة، لا خوادم فارغة فقط.
وتبدأ الخطة بسؤالين: كم يمكن أن تتوقف الخدمة؟ وكم من البيانات يمكن تحمل فقده إن تعذر استرجاعه؟ قد تناسب النسخ الاحتياطية خدمة تحتمل الانتظار، بينما تحتاج خدمة أشد حساسية إلى نسخة عاملة في موقع آخر. وكلما قصر وقت التعافي المطلوب زادت عادة التكلفة والتعقيد. وحتى نسخ البيانات باستمرار لا يغني عن النسخ الاحتياطية؛ فقد ينتقل الخطأ نفسه إلى النسخة الأخرى. والاختبار هو ما يكشف إن كانت الخطة قابلة للتنفيذ.
السعودية.. توسيع مساحة البدائل
من هذه الزاوية تظهر قيمة توسع البنية السحابية في السعودية: قدرة محلية أكبر على تشغيل التطبيقات، وخيارات أوسع لبناء بدائل والاستجابة للطلب المتنامي. افتتحت غوغل كلاود منطقتها في الدمام في نوفمبر 2023، بما يتيح استضافة أقرب للمستخدمين وخدمات بزمن استجابة منخفض. وهذا توسع يدعم الاقتصاد الرقمي، وليس مجرد رد فعل على حادث بعينه.
وتقدم أوراكل مثالًا مباشرًا على صلة التوسع بالاستمرارية: مع افتتاح منطقة الرياض في أغسطس 2024 إلى جانب جدة، قالت الشركة إن العملاء يستطيعون استخدام المنطقتين للنسخ الاحتياطي داخل المملكة. القيمة هنا في إمكان توزيع الخدمة بين موقعين جغرافيين مختلفين، مع بقاء البيانات محليًا وفق احتياجات المؤسسة ومتطلباتها.
ويتواصل مسار التوسع
أعلنت مايكروسوفت إتاحة منطقة «السعودية الشرقية» في نوفمبر 2026 بثلاث مناطق توافر، فيما تستهدف أمازون تشغيل منطقتها الأولى في ديسمبر 2026.
المركز الجديد يمنح المؤسسة مكانًا إضافيًا لتبني عليه؛ وخطة الاستمرارية تحدد كيف تستخدمه. وبين الاثنين تكمن فرصة السعودية: تحويل اتساع البنية إلى خدمات أكثر قدرة على مواصلة العمل والتعافي، عبر توزيع مدروس ونسخ احتياطية وتمارين واقعية. فالسؤال الذي ينبغي أن تطرحه الشركات قبل العطل ليس فقط «أين بياناتنا؟»، بل «كيف نواصل خدمة الناس إذا تعذر الوصول إليها؟»




