يخوض الأمريكيون انتخابات التجديد النصفي، التي لا تتضمن اختيار رئيس جديد، لكنها تقدم اختبارًا لحدود مشاركة المسلمين في الحياة السياسية الأمريكية. ففي مينيسوتا، تستعد إلهان عمر للدفاع عن مقعدها في مجلس النواب بعد فوزها بترشيح الحزب الديمقراطي في أغسطس الماضي، بينما ينافس عبدول السيد على مقعد في مجلس الشيوخ عن ولاية ميشيجان، في سباق قد يجعله أول مسلم يدخل المجلس إذا فاز.
ولا يدور التنافس حول برامج المرشحين وحدها؛ إذ تحولت ديانة السيد إلى موضوع للهجوم خلال الحملة، بعدما ربطه منافسه الجمهوري مايك روجرز بالتطرف الإسلامي وجماعة الإخوان المسلمين، وهي اتهامات ينفيها السيد. وترى حملته ومؤيدوه أن هذه الهجمات تستهدف هويته الدينية، بينما يحذر مراقبون من تأثيرها على قدرته في الاحتفاظ بأصوات قطاعات من الناخبين الذين دعموا منافسته في الانتخابات التمهيدية.
هذه المنافسة لا تضع سؤال التمثيل السياسي أمام اختبار جديد فقط، لكنها تفتح أيضًا بابًا لسؤال أكبر: هل يمكن أن يصل مسلم إلى رئاسة الولايات المتحدة؟. لا يتعلق الأمر هنا بوجود مانع دستوري، فالدستور لا يشترط ديانة معينة للرئيس، وإنما بقدرة مرشح مسلم على تجاوز قاعدة الناخبين الذين يشاركونه الدين أو الخلفية، وبناء تحالف انتخابي يضم أطرافًا تختلف معه في قضايا كثيرة.
من العبودية إلى حق التصويت
في أغسطس 1619، وصلت سفينة «وايت لايون» إلى مستعمرة فرجينيا وعلى متنها أفارقة اختُطفوا من سفينة برتغالية كانت تنقلهم إلى المستعمرات الإسبانية. وباعهم القائمون على السفينة للمستوطنين الإنجليز مقابل مؤن، في واقعة توثقها "هيئة المتنزهات الوطنية الأمريكية"، بوصفها وصولًا مبكرًا لــ"الأفارقة المستعبَدين" إلى المستعمرات الإنجليزية في أمريكا الشمالية. ولم يكن هؤلاء مجرد عمال أُدخلوا إلى اقتصاد المستعمرات بالقوة؛ فقد حمل بعضهم معتقداته الدينية ولغته ومعارفه، ومن بينهم مسلمون أفارقة ظل حضورهم خارج الرواية الشائعة عن نشأة المجتمع الأمريكي. لكن العبودية لم تكن سوى بداية مسار طويل من الحرمان من الحقوق، امتد أثره إلى الأجيال التالية حتى بعد إلغائها.
في العام 2008 انتخب الأمريكيون باراك أوباما رئيسًا ليصبح أول أمريكي أسود يتولى المنصب. لم يكن انتخابه دليلًا على انتهاء التمييز، لكنه أظهر أن الحواجز التي بدت عصية على التجاوز يمكن أن تتغير، وأن الوصول إلى أعلى منصب في الدولة قد يصبح ممكنًا لفئة لم تكن ممثلة فيه من قبل.
لا يعني ذلك أن تجربة السود والمسلمين متطابقة، أو أن انتخاب رئيس أسود يضمن انتخاب رئيس مسلم. لكنه يضع سؤال التمثيل في سياق تاريخي أوسع: كيف تتغير صورة من يستطيع حكم البلاد، ومن يملك الحق في أن يرى نفسه مرشحًا لهذا المنصب؟
الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة
لم يبدأ الوجود الإسلامي في الولايات المتحدة مع موجات الهجرة الحديثة. فقد كان هناك مسلمون من بين الأفارقة الذين وصلوا مستعبَدين إلى أمريكا، واحتفظ بعضهم بممارساتهم الدينية ومعرفتهم باللغة العربية رغم ظروف الاستعباد ومحاولات محو هوياتهم. ومن أبرز هؤلاء عمر بن سعيد، الذي كتب سيرته بالعربية عام 1831 خلال فترة استعباده في ولاية كارولاينا الشمالية. وتحتفظ "مكتبة الكونجرس" بنصه بوصفه السيرة الوحيدة المعروفة الباقية بالعربية التي كتبها شخص مستعبَد في الولايات المتحدة. كما يوثق "المتحف الوطني للتاريخ والثقافة الأفروأمريكية" تاريخ مسلمين أفارقة آخرين، من بينهم أيوبة سليمان ديالو وبلالي محمد.
وبعد قرون من هذا الحضور، بدأ المسلمون يظهرون بصورة أوضح في المؤسسات السياسية الحديثة. ففي عام 2006، انتخب كيث إليسون عضوًا في مجلس النواب عن ولاية مينيسوتا، ليصبح أول مسلم يصل إلى الكونجرس. وعندما أدى اليمين، استخدم نسخة من القرآن كانت مملوكة للرئيس الأسبق توماس جيفرسون، في خطوة أثارت جدلًا واسعًا، وفق "تاريخ مجلس النواب الأمريكي".
وفي 2018، انتخبت إلهان عمر ورشيدة طليب، لتصبحا أول امرأتين مسلمتين في الكونجرس. ثم انتخب زهران ممداني عمدة لنيويورك في نوفمبر 2025، ليصبح أول مسلم يتولى المنصب
الرئاسة لا تُحسم بالهوية وحدها
من الناحية القانونية، لا يمنع الدستور الأمريكي مسلمًا من تولي الرئاسة. فالمادة السادسة تنص صراحة على أنه لا يجوز اشتراط اختبار ديني لتولي أي منصب أو مسؤولية عامة اتحادية. أما المادة الثانية، فتحدد شروط الترشح للرئاسة في أن يكون المرشح مواطنًا أمريكيًا بالولادة، وألا يقل عمره عن 35 عامًا، وأن يكون قد أقام في الولايات المتحدة مدة لا تقل عن 14 عامًا، من دون اشتراط انتمائه إلى دين بعينه، بحسب "نص الدستور المنشور لدى الأرشيف الوطني".
لكن اجتياز الشروط الدستورية لا يعني تجاوز العقبات السياسية. فالمرشح الذي يريد الوصول إلى البيت الأبيض يحتاج أولًا إلى الفوز بترشيح أحد الحزبين الكبيرين، ثم بناء ائتلاف انتخابي قادر على حصد أصوات كافية في الولايات المختلفة. ولا يمكنه الاعتماد على أصوات المسلمين وحدهم، مهما بلغ عددهم أو مستوى مشاركتهم؛ إذ يتطلب الفوز الوصول إلى ناخبين من خلفيات دينية وعرقية وسياسية واقتصادية متباينة.
هنا تبرز فكرة مختلفة عن مجرد اتساع قبول المجتمع بمرشح مسلم: قد تتيح الأزمات السياسية فرصة لمرشح لا يمثل الخيار الأول لكل من يدعمه، لكنه يصبح نقطة التقاء لقوى لا تريد فوز منافس آخر. وهذا لا يعني أن هذه القوى تتفق على هويته أو برنامجه، بل أن حساباتها الانتخابية قد تدفعها إلى تأييده باعتباره الخيار الأقل سوءًا، أو الأقدر على منع خصم مشترك من الوصول إلى الحكم.
تحالف يوصل مرشحًا مسلمًا للرئاسة
تخيل الكاتب الفرنسي ميشيل ويلبيك هذا المسار في روايته «استسلام» الصادرة عام 2015، التي تدور أحداثها في فرنسا خلال انتخابات رئاسية متخيلة عام 2022. في الرواية، يصعد محمد بن عباس، زعيم حزب إسلامي خيالي، في مواجهة مارين لوبان مرشحة اليمين المتطرف، ولا يصل إلى الرئاسة بفضل كتلة انتخابية إسلامية وحدها، وإنما عبر تقاطع مصالح قوى سياسية متباينة.
فبعد خروج مرشح الحزب الاشتراكي من المنافسة، يتجه الاشتراكيون والوسطيون، ثم قوى من يمين الوسط، إلى دعم بن عباس لمنع لوبان من الفوز. ويصبح المرشح المسلم نقطة التقاء أطراف لا تتبنى بالضرورة المشروع السياسي نفسه، لكنها ترى أن وصول مرشحة اليمين المتطرف يمثل خطرًا أكبر، وفق عرض "«الغارديان» للرواية".
ولا تتوقف الرواية عند لحظة الفوز؛ إذ تنتقل إلى ما يفعله بن عباس بعد توليه السلطة، وكيف تتغير مؤسسات المجتمع الفرنسي وسياسات التعليم والعمل والأسرة في ظل حكومته. وهنا تفصل الرواية بين مرحلتين: التحالف الذي أتاح للمرشح الوصول إلى الحكم، والمشروع الذي شرع في تنفيذه بعد الفوز. هذا الفصل مهم عند التفكير في احتمال أمريكي؛ فدعم ناخب أو حزب لمرشح مسلم لا يعني بالضرورة تأييد مشروع ديني، مثلما أن وصول رئيس مسلم لا يعني تلقائيًا أن سياساته ستُبنى على أساس ديني. قد يكون التحالف انتخابيًا ومؤقتًا، بينما تحدد طبيعة الحكم لاحقًا وفق البرنامج والمؤسسات وموازين القوى.
فرنسا تقدم نموذجًا
لم تكن آلية التقاطع الانتخابي التي استندت إليها الرواية بعيدة تمامًا عن السياسة الفرنسية. ففي الانتخابات التشريعية التي جرت عام 2024، دفعت نتائج الجولة الأولى قوى اليسار وائتلاف الرئيس إيمانويل ماكرون إلى تنسيق خطواتهما لمنع حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف من الحصول على أغلبية برلمانية، وكانت قواعد الانتخابات الفرنسية تسمح بوصول ثلاثة مرشحين أو أكثر إلى الجولة الثانية في بعض الدوائر، وهو ما كان يهدد بتوزيع أصوات المعارضين لليمين المتطرف بين أكثر من مرشح. لذلك انسحب مرشحون حلوا في مراكز متأخرة لإفساح المجال أمام المنافس الأقدر على مواجهة مرشح التجمع الوطني.
لم تكن الأحزاب قد اتفقت على برنامج موحد، ولم يتحول خصومها إلى حلفاء دائمين؛ كان الهدف المباشر هو منع فوز اليمين المتطرف في أكبر عدد ممكن من الدوائر. وانتهت الانتخابات بحصول تحالف اليسار على 182 مقعدًا، وائتلاف ماكرون على 168، مقابل 143 للتجمع الوطني وحلفائه، بحسب "النتائج التي أوردتها «لوموند»".
لا تثبت التجربة الفرنسية أن المجتمع مستعد لانتخاب رئيس مسلم، ولا تمثل تكرارًا لأحداث رواية ويلبيك؛ فهي انتخابات تشريعية وليست رئاسية، ولم يكن المرشحون الذين استفادوا من الانسحابات مسلمين بالضرورة. لكنها تقدم مثالًا واقعيًا على أن الاختلافات الأيديولوجية قد تتراجع مؤقتًا عندما تتفق قوى سياسية على منع خصم مشترك من الفوز.
هذه هي النقطة التي يمكن أن تساعد في تصور احتمال أمريكي، مع الانتباه إلى اختلاف النظامين. ففي فرنسا، أتاح وجود جولتين انتخابيتين للمرشحين الانسحاب بينهما وتوجيه الأصوات إلى المنافس الأقوى. أما في الولايات المتحدة، فلا توجد جولة رئاسية ثانية على هذا النمط؛ إذ يمر الطريق إلى البيت الأبيض عبر الانتخابات التمهيدية للحزبين، ثم الانتخابات العامة، حيث يتحدد الفوز من خلال المجمع الانتخابي.
لذلك، إذا وصل مرشح مسلم إلى المنافسة الرئاسية الأمريكية، فلن يكون كافيًا أن تتفق قوى سياسية على منع منافسه من الفوز في جولة لاحقة. سيكون عليه أن يحصل على ترشيح حزبي كبير، أو أن ينجح في بناء تحالف انتخابي واسع قادر على المنافسة في الولايات الحاسمة. وقد يكون أحد المسارات الممكنة أن تدفع أزمة داخل حزب كبير أو حالة استقطاب حادة أطرافًا مختلفة إلى الالتقاء حوله، إذا رأته قادرًا على هزيمة مرشح آخر أو استعادة ناخبين فقد الحزب قدرتَه على تمثيلهم.
رئيس مسلم أم مشروع ديني؟
إذا وصل رئيس مسلم إلى البيت الأبيض، فليس هناك ما يفرض أن يتحول الحكم إلى مشروع ديني. يمكن أن يخوض الانتخابات ببرنامج يركز على الرعاية الصحية أو الضرائب أو الهجرة أو السياسة الخارجية، وأن يدير الدولة وفق القواعد الدستورية والمؤسسات القائمة. في هذه الحالة، ستكون ديانته جزءًا من هويته الشخصية، لا معيارًا كافيًا لتفسير قراراته أو توقع سياساته.
أما السيناريو الآخر، فيفترض وصول رئيس لا يحمل هوية مسلمة فحسب، بل يقود حركة سياسية تسعى إلى إعادة تشكيل المجتمع وفق مرجعية دينية، وتملك من النفوذ داخل الكونجرس والمؤسسات ما يسمح لها بتمرير مشروعها. هنا تصبح المقارنة مع «استسلام» أكثر اتصالًا بما تتخيله الرواية عن مرحلة ما بعد الانتخابات، حين تتحول التحالفات التي صنعت الفوز إلى سلطة تستخدم أدوات الدولة لإحداث تغييرات اجتماعية واسعة.
في رواية ويلبيك، تتجاوز التحولات تغيير الخطاب السياسي إلى إعادة ترتيب الحياة اليومية، من موقع النساء في سوق العمل إلى التعليم والجامعة. لكن هذه صورة روائية لمجتمع فرنسي متخيل، وليست وصفًا لما سيحدث بالضرورة في الولايات المتحدة إذا انتخب الأمريكيون رئيسًا مسلمًا.




