مع تحول التقنية إلى عنصر أساسي في الاقتصاد والأمن والسياسة، لم تعد المنافسة بين الصين وأمريكا تقتصر على الرقائق الإلكترونية أو الذكاء الاصطناعي، بل امتدت إلى مجال المصادر المفتوحة، الذي يشكل أساسًا لجزء كبير من الاقتصاد الرقمي العالمي، من أنظمة التشغيل وخوادم الويب إلى قواعد البيانات وبروتوكولات التشفير.
وبينما قادت الولايات المتحدة وأوروبا تطوير تقنيات المصادر المفتوحة، تعمل الصين على بناء بدائلها الخاصة، بعدما جعلت الحكومة تطوير هذه التقنيات جزءًا من استراتيجيتها الوطنية، مع تنامي دور الشركات والمؤسسات الصينية في تطوير البرمجيات ووضع المعايير الخاصة بها.
وقد تؤثر استراتيجية الصين للمصادر المفتوحة قد تؤثر في المنتجات والخدمات التي يستخدمها الناس حول العالم، خاصة مع تحول الذكاء الاصطناعي إلى تقنية يومية، إلا أن نجاح بكين في هذا المجال سيظل مرتبطًا بقدرتها على بناء الثقة عالميًا.
الصين تعيد رسم خريطة التقنية
تعود محاولات الصين لتطوير تقنيات المصادر المفتوحة إلى سنوات طويلة، عندما سعت إلى تقليل اعتمادها على التقنية الأجنبية، إذ طورت مؤسسات حكومية نظام "Red Flag Linux" كبديل لنظام "Windows" التابع لمايكروسوفت، بينما أنشأت جامعة عسكرية نظام "Kylin" لصالح جيش التحرير الشعبي والمؤسسات الحكومية.
وأصبحت المصادر المفتوحة خلال السنوات الأخيرة، أكثر أهمية للشركات الصينية في مواجهة العقوبات وضوابط التصدير الأمريكية، فبعد إدراج شركة هواوي على القائمة السوداء الأمريكية وسحب جوجل حقها في الوصول إلى الخدمات والتطبيقات المرخصة، اعتمدت هواوي على شفرة أندرويد مفتوحة المصدر، قبل تطوير نظام "HarmonyOS NEXT" وإطلاق نسختها مفتوحة المصدر تحت اسم "OpenHarmony".
وتدعم الحكومة الصينية اليوم منصات محلية للمصادر المفتوحة، من بينها مؤسسة "OpenAtom" الحكومية ومنصة "Gitee"، التي تمثل بديلًا صينيًا لمنصة "GitHub". كما تلعب أنظمة مثل "OpenKylin" و"OpenEuler" دورًا في البنية التحتية لتكنولوجيا المعلومات داخل الصين.
ولا تقتصر الاستراتيجية الصينية على البرمجيات، إذ تسعى بكين إلى تعزيز حضورها في وضع المعايير العالمية للأجهزة مفتوحة المصدر، ومن أبرزها معمارية "RISC-V"، التي تساعد الشركات الصينية على تقليل اعتمادها على الملكية الفكرية الأجنبية في أشباه الموصلات، وتجعلها أقل عرضة لقيود التصدير والحظر.
كما تعمل شركات الاتصالات الصينية، التي تمتلك خبرة واسعة في شبكات الجيل الخامس، مع تحالف دولي لتطوير تقنيات الجيل السادس، بينما يحمل معيار "Open-RAN" تداعيات مهمة على الأمن السيبراني والمنافسة الاستراتيجية.
الذكاء الاصطناعي يدخل ساحة المنافسة
انتقل التنافس الصيني الأمريكي إلى مجال الذكاء الاصطناعي مفتوح المصدر، بعدما تجاوز حدود الصراع على رقائق الذكاء الاصطناعي وضوابط تصديرها إلى محاولة تحديد الطرف الذي سيقود تطوير هذه النماذج ووضع قواعدها. وتبرز نماذج صينية مثل "Qwen" و"DeepSeek" و"Kimi" و"GLM"، لكن معظمها يصنف على أنه "مفتوح الأوزان" وليس مفتوح المصدر بالكامل، إذ تكون أوزان النموذج والبرمجيات متاحة، بينما تظل بيانات التدريب والمنهجيات المستخدمة لتطويره غير متاحة.
وأثارت هذه النماذج مخاوف في الولايات المتحدة، إذ اتهمت شركتا "Anthropic" و"OpenAI" مطوري نماذج الذكاء الاصطناعي الصينية بتقليد النماذج الاحتكارية على نطاق واسع وغير مصرح به، فيما اقترحت إدارة ترامب والمشرعون الأمريكيون تقييد الوصول إلى هذه النماذج، واتخذت بعض الجهات الفيدرالية وحكومات الولايات إجراءات لمنع الموظفين والمتعاقدين من استخدام "DeepSeek" لأسباب أمنية.
ولا تتعلق المخاوف بالمنافسة التقنية فقط، إذ صُممت النماذج الصينية لتتوافق مع الرقابة والدعاية الحكومية، بينما تفرض بعض التراخيص شروطًا إضافية؛ فعلى سبيل المثال، يشترط ترخيص نموذج "Kimi K3" التابع لشركة Moonshot إظهار اسم النموذج بشكل بارز عند تجاوز حدود معينة من الإيرادات أو المستخدمين، بينما يحدد ترخيص "MiniMax M3" استخدامات محظورة وفق "القوانين أو اللوائح المعمول بها".
وتستخدم الصين كذلك تراخيص ثنائية اللغة، مثل "Mulan 2.0" و"OpenAtom Model 1.0"، وتكون النسخة الصينية هي المرجع عند وجود تعارض في التفسير، ما يمنح المحاكم الصينية نفوذًا أكبر في القضايا التي تخضع لاختصاصها.
لا تقتصر أهمية المصادر المفتوحة على تطوير البرمجيات، بل تمتد إلى تحديد المعايير التقنية والقانونية التي ستحكم التقنية مستقبلًا. ويرى كريستوفر ك. تونغ، الباحث في جامعة ماريلاند، أن الدول التي تتصدر وضع هذه المعايير قد تحصل على ميزة تنافسية تمتد لعقود.














