تواجه العديد من الشركات تحديًا جديدًا في عالم التسويق الرقمي مع التحول المتسارع نحو البحث المدعوم بالذكاء الاصطناعي. فقد أصبح موقع الويب ليس مجرد منصة عرض للمنتجات أو الخدمات، بل أصبح نقطة التفاعل الرئيسية مع العملاء، وخسارة 140 زيارة سنويًا تمثل تهديدًا حقيقيًا للأعمال.
ويُعد هذا هو ما شهدته شركة HubSpot، المزود الشهير لأدوات المبيعات والتسويق وخدمة العملاء للشركات. فقد لاحظت الشركة انخفاضًا كبيرًا في عدد زوار موقعها الإلكتروني، وهو ما ربطته بالتغيرات التي أحدثها الذكاء الاصطناعي في سلوك البحث على الإنترنت.
وأشار كيب بودنار، كبير مسؤولي التسويق في HubSpot، إلى أن "الأمر لم يعد كما كان سابقًا، عندما كانت المعلومات محدودة وكان على المستخدمين تصفح عشرات الروابط للحصول على إجابة، بينما اليوم يمكن الوصول إلى معلومات العالم بأكمله على الفور، وهذا غيّر الطريقة التي يبحث بها الناس وكيفية اتخاذهم للخطوات التالية".
أسباب تراجع زيارات مواقع الويب
تعد التغييرات في محركات البحث أحد الأسباب الرئيسة لتراجع عدد الزيارات، فقد أعادت هذه المحركات تصميم خوارزمياتها لمواجهة ضعف الذكاء الاصطناعي، ما جعل من الضروري أن يُنظر إلى المواقع الإلكترونية على أنها موثوقة ومتخصصة في مجالاتها. في الوقت نفسه، يميل المستخدمون بشكل متزايد إلى استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي مباشرة، بينما تعرض محركات البحث ملخصات الذكاء الاصطناعي في أعلى النتائج، ما يقلل الحاجة للنقر على المواقع الأخرى.
ويضيف بودنار: "معدل النقر على النتائج التي تحتوي على ملخصات مدعومة بالذكاء الاصطناعي انخفض بنسبة تتراوح بين 60 و70%".
ولتجاوز هذه التحديات، بدأت الشركات في تبني استراتيجيات تحسين محركات البحث المدعومة بالذكاء الاصطناعي (AEO)، والتي تُعرف أحيانًا بـ تحسين محركات البحث التوليدي (GEO). وتهدف هذه الاستراتيجيات إلى ضمان ظهور المواقع بشكل بارز في أدوات الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، باستخدام تقنيات تعتمد على نماذج اللغة الكبيرة (LLMs).
وأكد بودنار أن الجمع بين تحسين محركات البحث التقليدية وAEO ساعد HubSpot على تحسين معدل التحويل وجودة الزوار. ويشير إلى أن "الشركات المستقبلية لن تتمكن من المنافسة بدون تطوير قدراتها في هذا المجال".
ويبرز التغير في سلوك المستخدم بشكل واضح، إذ يشير بودنار إلى أن طول البحث التقليدي في محركات مثل Google كان يتراوح بين أربع إلى ست كلمات، بينما يمتد البحث عبر الذكاء الاصطناعي أحيانًا إلى 40 أو 60 كلمة، ما يمثل مستوى أعلى من التفصيل والدقة. ويضرب مثالًا بشركة تؤجر بيوتًا متنقلة في نيوزيلندا، حيث قد يطلب المستخدم من الذكاء الاصطناعي خطة عطلة متكاملة للعائلة، بما يشمل زيارة الحيوانات المفضلة للأطفال. وهذا يستدعي من الشركة نشر محتوى غني بمعلومات متعلقة بالحيوانات المحلية ليتم تضمينه في إجابات الذكاء الاصطناعي.
وردًا على ذلك، قامت HubSpot بإعادة هيكلة محتواها، مستبدلة المقالات الطويلة بأجزاء صغيرة من المعلومات يسهل على الذكاء الاصطناعي استخراجها، مثل شرح ميزة محددة لإدارة جهات الاتصال، مما يعزز وصول المستخدمين إلى المعلومة مباشرة. وحتى الآن، ساهم الذكاء الاصطناعي في جذب ما بين 7 و12% من زوار موقع الشركة شهريًا، ومن المتوقع أن يصبح أداة أساسية لاستكشاف العلامة التجارية مستقبلًا.
استغلال إجابات الذكاء الاصطناعي
من جهتها، تعمل شركة Spice Kitchen على تعديل استراتيجيتها لمواكبة التغيرات الرقمية. إذ قامت بإنشاء قسم محتوى متكامل عن تاريخ تجارة التوابل، مصمم لتقديم خبرة الشركة بطريقة تعليمية، وجذب الباحثين عبر الذكاء الاصطناعي، وليس فقط العملاء الراغبين في الشراء. ويشير آندي لوتشي، المؤسس المشارك لوكالة Lumos Digital، إلى أن التركيز تحول من تحسين صفحة المنتج لجذب المشترين فورًا إلى مرحلة البحث واتخاذ القرار، حيث يمكن للشركة كسب ثقة العملاء قبل الشراء عبر تقديم أدلة ومعلومات موثوقة.
وتشدد الشركات المتخصصة على أهمية مؤشرات الخبرة والسلطة والثقة، عبر الروابط من مواقع موثوقة، ووضع سياسات محتوى واضحة، وسير ذاتية للمؤلفين، لتعزيز مصداقية المعلومات المتاحة للذكاء الاصطناعي.
كما يظهر تأثير الذكاء الاصطناعي بوضوح في تجربة MKM Building Supplies، حيث لاحظ المدير الرقمي أندي بيك أب انخفاض حركة المرور من محركات البحث التقليدية لأن المستخدمين يحصلون على إجابات مباشرة من الذكاء الاصطناعي دون زيارة الموقع. ولتعويض ذلك، أنشأت الشركة محتوى يوضح كيفية استخدام منتجاتها في مشاريع البناء، مع التركيز على الترتيب في إجابات الذكاء الاصطناعي. ويشير بيك أب إلى أن زوار الذكاء الاصطناعي أكثر استعدادًا لإتمام الشراء لأنهم يحصلون على المعلومات التي يحتاجونها بثقة قبل الانتقال إلى المتجر.
وفي ظل سيطرة غوغل على سوق البحث، تبين أن ChatGPT يجذب الآن عددًا أكبر من الزوار، وهو تحول يعكس وعي المستخدمين بتطبيقات الذكاء الاصطناعي المفضلة لديهم، واختيارهم تجاه مصادر توفر لهم إجابات شاملة وسريعة، بعيدًا عن محركات البحث التقليدية.
وفي النهاية، يؤكد الخبراء أن المحتوى لم يعد مجرد وصف للمنتج، بل أصبح أداة لتوضيح كيفية حل المشكلات التي يواجهها العملاء، مع التركيز على تقديم المعلومات بطريقة منظمة وسهلة المعالجة من قبل الذكاء الاصطناعي، باستخدام ملخصات، وقوائم نقطية، وأسئلة شائعة، بالإضافة إلى خريطة موقع تساعد الروبوتات في التنقل عبر الموقع. ويعكس هذا التحول طبيعة جديدة تمامًا للبحث الرقمي، حيث يُعد المحتوى أداة استراتيجية أساسية للوصول إلى العملاء وتحقيق المبيعات.
اقرأ أيضًا:
الروبوتات تتعلم من البشر.. عصر جديد للذكاء الصناعي المنزلي
هل يقتل الذكاء الاصطناعي الإبداع داخل الصفوف الجامعية؟
نماذج ذكاء اصطناعي جديدة تفتح الباب لاختراقات كبرى












