مع تصاعد الطموح لإدخال الروبوتات الشبيهة بالبشر إلى المنازل، نشأت وظيفة مبتكرة تقوم على أدوات بسيطة: كاميرا مثبتة على الرأس، هاتف ذكي، وقائمة بالمهام اليومية. هذه الوظيفة ليست مجرد تجربة تقنية، بل تمثل خطوة عملية أساسية لتدريب الروبوتات على أداء الأعمال المنزلية بكفاءة وأمان، من خلال تحويل الأنشطة اليومية للبشر إلى بيانات قابلة للاستخدام في تطوير الذكاء الصناعي المنزلي.
مع تطور الذكاء الاصطناعي، أصبحت الروبوتات الحديثة قادرة على المشي والرقص وأداء مهام معقدة برشاقة متزايدة، إلا أن الهدف الأسمى لصناعة الروبوتات وهو إنشاء روبوت متعدد الأغراض للعمل في المنازل والمتاجر والمكاتب، يتطلب كميات هائلة من البيانات ليتمكن من استبدال البشر بأمان وفعالية.
وبدأت الشركات تعتمد بشكل متزايد على تسجيل الأشخاص لأنفسهم أثناء تنفيذ المهام اليومية، لتوليد ما يُعرف بـ"البيانات المتمركزة حول الذات" أو "البيانات البشرية".
تدريب الروبوتات
في هذا السياق، تدخلت شركات ناشئة مثل Micro1 لتلبية الطلب على مقاطع الفيديو البشرية، حيث يُزوّد كل مشارك بجهاز كاميرا على الرأس وتعليمات لتصوير مهام مثل الطبخ والتنظيف والبستنة ورعاية الحيوانات الأليفة.
ويُتوقع من المشاركين إنتاج 10 ساعات على الأقل من الفيديو أسبوعيًا، مع تشجيعهم على تجربة ما يصورونه لتسريع قدرة الروبوت على التكيف مع بيئات ومسؤوليات جديدة، كما يقول أريان صادقي، نائب رئيس قسم بيانات الروبوتات في الشركة.
تضم Micro1 نحو 4000 "خبير في الروبوتات" في 71 دولة، يرسلون أكثر من 160 ألف ساعة من الفيديو شهريًا. ورغم ذلك، يؤكد صادقي أن هذه الكمية لا تكفي، موضحًا أن التدريب على التفاعلات البشرية يتطلب مليارات الساعات من البيانات.
وأضاف أن الطلب المتزايد على البيانات البشرية يعكس النموذج نفسه الذي شهدته برامج الذكاء الاصطناعي مثل ChatGPT، التي تعتمد على مئات المليارات من الكلمات لتوليد استجابات دقيقة. لكن تدريب الروبوتات يحتاج إلى بيانات أكثر تحديدًا، حيث لا تتوافر مكتبات جاهزة بالمحتوى البصري كما هو متاح على الإنترنت.
صناعة بيانات بمليارات الدولارات
تقدّر شركات أبحاث السوق أن صناعة جمع وتصنيف البيانات ستنمو سنويًا بنسبة 30%، لتصل قيمتها إلى 10 مليارات دولار بحلول 2030، مدفوعة بالطلب المتزايد في آسيا. وقدّم رافي راجالينغام، مؤسس شركة Objectways، بيانات لتدريب مساعدين افتراضيين وسيارات ذاتية القيادة قبل أن يركز على الروبوتات، موضحًا أن نصف اللقطات المجمعة غير قابلة للاستخدام، لكن البيانات الأمريكية تظل أكثر قيمة بسبب القدرة الشرائية للمستهلكين.
ويضيف راجالينغام: "المطبخ الهندي يختلف كثيرًا عن الأمريكي، والمكنسة كذلك. لذا التنوع مهم، لكن يعتمد على المكان الذي ستوضع فيه الروبوتات".
أساليب التدريب المتنوعة
قدمت السنوات الماضية أساليب مختلفة لتدريب الروبوتات، بدءًا من التحكم عن بعد، مرورًا بالمحاكاة الافتراضية، وحتى استخدام البيانات البشرية، حيث تشكّل الأخيرة حلًا منخفض التكلفة مقارنة بأجهزة الروبوت المكلفة. تقول أليسيا فينيزياني، نائبة رئيس قسم توسيع السوق في شركة شاربا: "هناك دائمًا مقايضة بين جودة وكمية البيانات".
استثمرت الصين في إنشاء 60 مركزًا لتدريب الروبوتات، بينما تستخدم شركات مثل تسلا المرافق الخاصة في كاليفورنيا وتخطط للتوسع في تكساس. وتفضل الولايات المتحدة وأوروبا التدريب بالمحاكاة، كما هو الحال مع شركة إنفيديا، لكن دمج بيانات من مقاطع الفيديو الواقعية حسّن أداء الروبوتات بنسبة تزيد عن 50% في مهام مثل لف القمصان وفرز أوراق اللعب.
نحو أتمتة كاملة للمهام اليومية
شهدت السنوات الثلاث الأخيرة تحولًا نوعيًا بفضل نماذج اللغة الضخمة مثل ChatGPT، التي مكّنت الروبوتات من ترجمة الإشارات البصرية إلى أفعال مادية. تقول شركة Labellerr AI إن جمع بيانات البشر أولوية، رغم أن مستقبل هذه البيانات قد يشمل تحسين التدريب على المحاكاة أو استخدام مقاطع فيديو موجودة على الإنترنت.
يؤكد الباحث روتاف شاه من جامعة تكساس أن الروبوتات تحتاج لساعات طويلة من التدريب بسبب عدم القدرة على التنبؤ بحركة الأثاث والأجهزة والبشر، ولتطوير "حدس" يشبه الحدس البشري تجاه القوى والاحتكاك وعدم اليقين، وهو ما يمثل المرحلة الأخيرة من الأتمتة في المهام المنزلية اليومية.
تعمل الروبوتات الشبيهة بالبشر حتى الآن بشكل رئيسي في بيئات خاضعة للرقابة، مثل المصانع، حيث يصل معدل النجاح إلى 99.9%. أما في البيئات المنزلية، فتظل التحديات كبيرة، بما في ذلك السلامة، إذ قد يؤدي خطأ في التمييز بين طفل ولعبة إلى حوادث كارثية.
اقرأ أيضًا:
هل يقتل الذكاء الاصطناعي الإبداع داخل الصفوف الجامعية؟
بعد إغلاق موقع "ماسنجر".. كيف تصل إلى رسائلك الآن؟
نماذج ذكاء اصطناعي جديدة تفتح الباب لاختراقات كبرة














