يمر العالم حاليًا بمنعطف تاريخي وحرج في علاقته مع التقنية، حيث انتقلت الحكومات من مرحلة التوصيات الأخلاقية إلى مرحلة الحظر القانوني الصارم على استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي.
وفي ظل تراكم الأدلة العلمية والجنائية حول الأضرار العصبية والأمنية التي تهدد الأجيال الناشئة، بدأت دول كبرى في السنوات القليلة الماضية في تصنيف هذه المنصات كـ "منتجات خطرة" تتطلب تنظيمًا مشابهًا للتبغ والكحول.
ولا يستهدف هذا الحراك العالمي التقنية في حد ذاتها، بل يسعى لكسر "دورة الإدمان الخوارزمي" وحماية السيادة العصبية للأطفال من تغول اقتصاد الانتباه الذي تفرضه الشركات التريليونية.
ويعتبر عام 2025 هو العام الذي سقطت فيه ورقة التوت عن "الموافقة الذاتية" للأعمار، حيث لم تعد الحكومات تكتفي بإقرار الطفل بأنه فوق سن الثالثة عشرة.
وبدلًا من ذلك، فرضت القوانين الجديدة تقنيات "تقدير العمر بالوجه" و"الهوية الرقمية" لضمان عزل القاصرين عن بيئات وسائل التواصل الاجتماعي التي باتت تُعرف في الأوساط التشريعية بأنها مسارح للاستغلال والابتزاز الجنسي المالي والتآكل المعرفي.
النموذج الأسترالي في حظر وسائل التواصل الاجتماعي على الأطفال
تعتبر أستراليا اليوم الرائدة عالميًا في هذا المجال، بعد إقرارها "تعديل السلامة على الإنترنت (الحد الأدنى للسن)" في نوفمبر 2024، والذي دخل حيز التنفيذ الكامل في 10 ديسمبر 2025.
ويفرض هذا القانون التاريخي حظرًا مطلقًا على امتلاك أي طفل دون سن 16 عامًا حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، بما في ذلك منصات كبرى مثل "تيك توك"، و"إنستغرام"، و"سناب شات"، و"إكس".
ويكمن جوهر القانون الأسترالي في نقل المسؤولية بالكامل من كاهل الآباء والأطفال إلى عاتق الشركات، حيث لا تقع أي عقوبات على الأفراد، بينما تواجه المنصات غرامات مالية ضخمة تصل إلى 49.5 مليون دولار أسترالي في حال فشلها في اتخاذ "خطوات معقولة" لمنع وصول القاصرين لخدماتها.
وتوضح مفوضة السلامة الرقمية الأسترالية أن هذا التشريع يستهدف حماية المراهقين في مرحلة نموهم الحرجة من الضغوط الخوارزمية التي تدفعهم لقضاء وقت مفرط أمام الشاشات.
وبالرغم من استثناء بعض المنصات التعليمية، إلا أن القائمة تخضع لمراجعة مستمرة لضمان عدم تسلل ميزات "التواصل الاجتماعي المفتوح" تحت غطاء التطبيقات التعليمية أو الألعاب، مما يجعل التجربة الأسترالية نموذجًا تسعى دول مثل نيوزيلندا والبرازيل لمحاكاته في عام 2026.
المملكة المتحدة وواجب الرعاية في وسائل التواصل الاجتماعي
وفي سياق متصل، بدأت المملكة المتحدة في عام 2025 تفعيل إجراءات صارمة تحت مظلة "قانون السلامة على الإنترنت 2023.
ويفرض هذا القانون على شركات وسائل التواصل الاجتماعي ما يُعرف بـ "واجب الرعاية"، وهو التزام قانوني بحماية الأطفال من المحتوى الذي يشجع على إيذاء النفس أو اضطرابات الأكل أو الانتحار.
وتراقب الهيئة التنظيمية "Ofcom" بصرامة آليات التحقق من العمر، حيث لم يعد مجرد إدخال تاريخ الميلاد مقبولًا قانونيًا، بل تلتزم المنصات باستخدام تقنيات الهوية الرقمية لضمان أن المستخدمين تحت السن القانوني لا يمكنهم الوصول للمحتوى عالي الخطورة.
وتشير التقارير البريطانية لعام 2025 أن الهيئات التعليمية والشرطة تدعم هذا التوجه بقوة، خاصة بعد رصد تراجع ملموس في الانتباه والسلوك لدى الطلاب المرتبطين بوسائل التواصل الاجتماعي.
وتهدف هذه الإجراءات إلى كسر "دورة الـ 24 ساعة" من التنبيهات المستمرة التي تحرم الأطفال من النوم العميق وتدمر قدرتهم على التعلم، مما يضع بريطانيا في صدارة الدول التي تعامل الفضاء الرقمي كبيئة تتطلب "تراخيص عمل" صارمة وليس فضاءً مفتوحًا بلا ضوابط.
قوانين خاصة في الولايات المتحدة
شهد عام 2025 حراكًا قانونيًا معقدًا في الولايات المتحدة، ففي ظل تعثر التشريعات الفيدرالية الشاملة، اتجهت ولايات مثل فلوريدا ويوتا وتكساس ولويزيانا لسن قوانينها الخاصة لتقييد وصول القاصرين إلى وسائل التواصل الاجتماعي.
وتتطلب هذه القوانين موافقة الوالدين للأطفال تحت سن 18 عامًا، وتحظر الخوارزميات "الإدمانية" التي تستهدف القاصرين بشكل خاص.
وتنتظر الأوساط القانونية في مطلع عام 2026 حكمًا تاريخيًا من المحكمة العليا الأمريكية حول ما إذا كانت هذه القوانين تنتهك التعديل الأول للدستور والخاص بحرية التعبير.
ومع ذلك، يميل التوجه العام في المحاكم الأمريكية لاعتبار "الأدلة الساحقة على الضرر" مبررًا قانونيًا كافيًا لتقييد الوصول، تمامًا كما يتم تقييد بيع التبغ والخمور للقاصرين.
وتكشف بيانات عام 2025 أن ولايات مثل ميسيسيبي وتينيسي بدأت بالفعل في تنفيذ قوانين تُلزم المنصات بالتحقق من العمر، مما دفع بعض التطبيقات مثل "بلو سكاي" لحظر الوصول من داخل تلك الولايات تمامًا بدلًا من الامتثال للقيود، وهو ما يعكس حدة الصراع بين "حرية الربح التقني" و"سلامة الطفولة الوطنية".
التقييد من أوروبا إلى آسيا وأمريكا الجنوبية
لا يقتصر هذا الحراك على الولايات المتحدة وبريطانيا فحسب؛ ففي نوفمبر 2025، صوّت البرلمان الأوروبي على تقرير يوصي بتحديد سن 16 عامًا كحد أدنى لاستخدام وسائل التواصل الاجتماعي في دول الاتحاد، مع السماح للفئة بين 13 و15 عامًا بالدخول فقط بموافقة الوالدين.
وفي الدنمارك، أعلنت الحكومة في أواخر عام 2025 عن اتفاق لمنع الوصول لمن هم دون سن 15 عامًا، معتمدة على نظام الهوية الإلكترونية الوطني لضمان الامتثال.
وفي آسيا، أعلنت ماليزيا أن الأول من يناير 2026 كان موعدًا لبدء حظر جميع المستخدمين دون سن 16 عامًا من امتلاك حسابات على وسائل التواصل الاجتماعي، مع إلزام المنصات بنظام التحقق.
أما في البرازيل، فقد أُقرت قوانين في سبتمبر 2025 تُلزم بربط حسابات القصر تحت سن 16 بحسابات والديهم، مع حظر ميزات "صناديق الغنائم" في الألعاب، في خطوة تهدف لتقليص الميول الإدمانية لدى الأطفال منذ الصغر.
معركة الهوية الرقمية والتحقق من العمر
تعتبر قضية "التحقق من العمر" هي العقبة التقنية والأخلاقية الأكبر في تنفيذ هذه القوانين.
وتعتمد الدول حاليًا على تقنيات متنوعة تتراوح بين "تقدير العمر عبر ملامح الوجه" باستخدام الذكاء الاصطناعي، وبين الربط بقواعد البيانات الوطنية (الهوية الرقمية).
وبالرغم من انتقادات جماعات الحقوق الرقمية التي تخشى على الخصوصية، إلا أن المشرعين يصرون على أن حماية الأطفال من الاستدراج الجنائي والابتزاز المالي عبر وسائل التواصل الاجتماعي تبرر جمع هذه البيانات ضمن أطر مشفرة وآمنة.
وتوضح البيانات الصادرة عن مؤسسات السلامة الرقمية أن مجرد الاعتماد على "تاريخ الميلاد" أدى في السابق إلى وجود ملايين الأطفال تحت السن القانوني على المنصات.
وعلى هذا، يصبح استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في عام 2026 عملية "موثقة"، حيث تسعى القوانين الجديدة لضمان أن كل مستخدم هو شخص حقيقي وبالغ، أو قاصر يخضع لرقابة أبوية قانونية، مما ينهي عهد "الحسابات الوهمية" التي كانت مرتعًا للمفترسين الرقميين وعصابات الابتزاز الدولي.
نهاية عصر الفوضى الرقمية للطفولة
ختامًا، توضح تحركات عامي 2024 و2025 أن العالم قد دخل عهدًا جديدًا من التنظيم الرقمي الصارم.
ولا يعد حظر استخدام الأطفال وسائل التواصل الاجتماعي إجراءً عقابيًا، بل هو "درع وقائي" يهدف لاستعادة التوازن النفسي والعقلي للأجيال القادمة.
ومع دخول هذه القوانين حيز التنفيذ في أستراليا وبريطانيا وأوروبا وماليزيا، نجد أنفسنا أمام إعادة صياغة للعقد الاجتماعي بين المواطن والمنصات التقنية، حيث تُوضع سلامة الطفل فوق كل اعتبار تجاري.
وتتطلب النجاة من الأزمة الرقمية المستعصية صرامة في التنفيذ ووعيًا أسريًا، يواكب هذه القوانين؛ فالتشريعات وحدها قد لا تمنع طفلًا بارعًا تقنيًا من الالتفاف، لكنها تضع الشركات تحت طائلة المساءلة وتجعل الوصول الصعب هو القاعدة وليس الاستثناء.












