تشهد منطقة وادي السيليكون مرحلة جديدة من طفرة الذكاء الاصطناعي، مدفوعة بظهور "وكلاء" مستقلين قادرين على تنفيذ مهام معقدة وتحويل أسابيع من العمل اليدوي إلى دقائق معدودة.
تحوّل متسارع في هندسة البرمجيات
ووفقًا لموقع " axios" ففي المرحلة الراهنة، يتركّز الزخم بشكل أساسي في مجال هندسة البرمجيات، غير أن حجم التغيير داخل هذا القطاع يبدو بالغ التأثير، ما يوسع الفجوة بين مطوري الذكاء الاصطناعي ومن يقفون خارجه.
وفي هذا السياق، كتب جيمس وانغ، مدير تسويق المنتجات في Cerebras، عبر منصة "إكس" أنه طوال 25 عامًا من متابعته للتكنولوجيا، لم يشهد فجوة أوسع من تلك القائمة اليوم بين نحو مليون مستخدم لأدوات مثل Codex وClaude، وبين بقية العالم.
من جانبه، وصف داريو أمودي، الرئيس التنفيذي لشركة Anthropic، الوضع الراهن في هندسة البرمجيات بـ"مرحلة القنطور"، في استعارة للكائن الأسطوري نصف الإنسان ونصف الحصان في الميثولوجيا اليونانية.
وكما كان لاعب الشطرنج المدعوم بجهاز كمبيوتر قادرًا في السابق على التفوق على أي جهاز يعمل بمفرده، فإن المهندس الذي يعمل إلى جانب وكيل ذكاء اصطناعي قد يشكّل اليوم أقوى كيان في ساحة التكنولوجيا.
يرى داريو أمودي، أن هذه المرحلة الهجينة بين الإنسان والآلة قد تكون قصيرة للغاية، وربما لا تتجاوز بضع سنوات، قبل أن تتمكن أنظمة الذكاء الاصطناعي من التفوق بشكل مستقل حتى على أفضل الفرق التي يقودها البشر.
تحوّل نحو «سير العمل الآلي»
وخلال العام الماضي، كثّفت مختبرات الذكاء الاصطناعي الكبرى حديثها عن «سير العمل الآلي» بوصفه الأفق المقبل للصناعة، في إشارة إلى انتقال الأنظمة من مجرد أدوات مساعدة إلى كيانات قادرة على إدارة المهام بشكل متكامل.
وقد تجسدت هذه الرؤية بوضوح الشهر الماضي مع الصعود اللافت لأداة OpenClaw مفتوحة المصدر، التي تتيح للمطورين تشغيل وكلاء ذكاء اصطناعي يتولون مهام التخطيط والبرمجة وإطلاق البرمجيات من البداية حتى التسليم النهائي.
وعلى خلاف روبوتات الدردشة التقليدية التي تعمل داخل متصفح أو تطبيق، يمنح OpenClaw وكلاءه صلاحيات مباشرة على جهاز المستخدم، بما يشبه «الأيدي» الرقمية، ما يتيح لهم إدارة الملفات بصورة مستقلة، وتنفيذ أوامر عبر الطرفية، وحتى مراسلة أعضاء الفريق.
كما تعزز انتشار المشروع بفضل Moltbook، وهي شبكة اجتماعية فيروسية تعتمد بالكامل على الذكاء الاصطناعي، حيث «يتفاعل» وكلاء OpenClaw وينشرون المحتوى بشكل مستقل، في نموذج يعكس ملامح مرحلة جديدة من الأتمتة الذكية.
سجّل OpenClaw أسرع وتيرة نمو لمستودع برمجي في تاريخ GitHub، في تطور لافت عزز مكانته داخل مجتمع المطورين. وفي خطوة تعكس أهمية المشروع، استقطبت OpenAI مؤسسه، المطور النمساوي بيتر شتاينبرغر، لقيادة قسم «الوكلاء الشخصيين» لديها.
وقال سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لـOpenAI، إن شتاينبرغر «عبقري يمتلك أفكارًا مذهلة حول مستقبل الوكلاء فائقـي الذكاء الذين يتفاعلون مع بعضهم البعض لإنجاز مهام مفيدة للغاية للناس»، مضيفًا أن الشركة تتوقع أن يصبح هذا التوجه جزءًا أساسيًا من عروضها قريبًا.
تأتي هذه التطورات في خضم سباق تقني متسارع، حيث تتنافس شركات مثل Google وAnthropic وxAI إلى جانب OpenAI على إطلاق أنظمة أكثر تطورًا بوتيرة متلاحقة.
كشف المستثمر الملاك جيسون كالاكانس، أن شركته نقلت نحو 20% من مهامها إلى OpenClaw خلال 20 يومًا فقط، معلنًا إعادة توجيه استراتيجيته الاستثمارية للتركيز حصريًا على الشركات الناشئة المرتبطة بالمشروع.
كما أدى الطلب المتزايد إلى نقص عالمي في أجهزة Mac Mini ذات السعة العالية من الذاكرة، مع تسابق المطورين لبناء خوادم وكلاء «دائمة التشغيل».
وفي السياق ذاته، كتب غاري تان، الرئيس التنفيذي لشركة Y Combinator، أن «هذا هو عصر الرؤساء التنفيذيين الذين ينجزون عمل عشرة أشخاص باستخدام Claude Code في الأمسيات وعطلات نهاية الأسبوع»، معبرًا عن دعمه القوي لهذا التحول.
عقبات أمام الانتشار الواسع
رغم الزخم المتصاعد حول «وكلاء» الذكاء الاصطناعي، لا تزال هناك تحديات هيكلية تعرقل اعتمادهم على نطاق واسع، في مقدمتها مخاطر الأمن السيبراني.
فقد قيّدت Meta وعدد من شركات التكنولوجيا استخدام برنامج OpenClaw أو حظرته، خشية أن يؤدي منح الوكلاء وصولًا مباشرًا إلى أنظمة الشركات إلى تعريضها لبرمجيات خبيثة، أو تسريب بيانات، أو عمليات تلاعب غير مقصودة.
كما يظل حاجز الدخول مرتفعًا؛ إذ يتطلب نشر وكلاء الذكاء الاصطناعي وإدارتهم بشكل آمن خبرة تقنية متقدمة، وقدرات حوسبية مناسبة، واستعدادًا للتجربة وتحمل المخاطر، وهي عناصر لا تتوافر بسهولة في كثير من بيئات العمل.
وبحسب تقرير حديث صادر عن Anthropic، فإن نحو 50% من أنشطة الذكاء الاصطناعي الحالية تتركز في هندسة البرمجيات، بينما لا تزال القطاعات الأخرى في مراحل تجريبية مبكرة.
وقال الباحث في الشركة، مايلز مكين، لموقع أكسيوس، إن «الوكلاء موجودون بالفعل وهم مفيدون، لكنهم ليسوا مناسبين لكل شيء حتى الآن»، مشيرًا إلى أنهم بدأوا بالانتشار عبر مجالات متعددة، وإن كان ذلك بوتيرة متفاوتة.
اقرأ أيضًأ :
من الرقائق إلى التبريد.. معادن تقود ثورة الذكاء الاصطناعي
هل الذكاء الاصطناعي آمن لطفلك في سنواته الأولى؟
هل يجعلنا الذكاء الاصطناعي متسلطين؟














