تكشف أحدث البيانات الإحصائية لعامي 2024 و2025 عن واقع رقمي صادم، حيث تشير التقارير أن مئات الملايين من الأطفال باتوا يمثّلون القوة الضاربة الجديدة في نمو منصات التواصل الاجتماعي.
ولا تقف الأزمة عند الأطفال الذين يقتربون من مرحلة النضج، فنجد أن بريطانيا وحدها تضم قرابة مليون طفل في سن ما قبل المدرسة يمتلكون حسابات بالفعل على هذه المنصات.
وفقًا لتحليل مركز العدالة الاجتماعية (CSJ) المستند إلى بيانات "أوفكوم" البريطانية، فإن نحو 814,000 طفل تتراوح أعمارهم بين 3 و5 سنوات يستخدمون هذه المواقع بانتظام، وهو رقم يعكس انفجارًا في معدلات الوصول الرقمي لم يسبق له مثيل في تاريخ الطفولة.
وتؤكد المراجعة المنهجية التي قادها الباحثون "فايشنافي نايك" وزملاؤه عام 2024، أن نسبة استخدام الأطفال تحت سن الخامسة حول العالم قفزت من 29% في عام 2023 إلى 37% في عام 2024، في تطور يعكس فشلًا هيكليًا في القيود العمرية التي تضعها شركات التقنية.
ويمثّل هذا التغلغل العميق لمنصات التواصل الاجتماعي في "السن الحرجة" لتطور الدماغ أزمة رقمية مستعصية، حيث يتم استبدال المهارات الحركية الأساسية والتفاعل اللغوي البشري بمؤثرات بصرية خوارزمية تسبب تشويشًا في التطور العاطفي وتؤدي إلى تراجع ملموس في القدرة على التركيز العميق.
طفرة استخدام منصات التواصل الاجتماعي في الفئات العمرية الصغيرة
يكشف تشريح البيانات المنشور من قبل المكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة في عام 2025 أن الفئة العمرية بين 5 إلى 7 سنوات سجلت نموًا لافتًا في استخدام منصات التواصل الاجتماعي بنسبة وصلت إلى 38%، مع تركيز خاص على تطبيقات مثل "واتساب" و"تيك توك".
ويشير الباحثون أن 19% من هؤلاء الأطفال يستخدمون هذه المواقع بشكل مستقل تمامًا دون رقابة أبوية، مما يعرضهم لمحتوى غير متناسب مع نضجهم العاطفي.
ومع وصول الأطفال إلى سن الثامنة، يمتلك 40% منهم حسابات مستقلة تمامًا، مما يعني أنهم يقضون ساعاتهم الذهنية الأولى في بيئة قائمة على "السعي المفرط للتحقق الاجتماعي" بدلًا من بناء الثقة بالنفس عبر الإنجازات الواقعية.
وتعتبر الفئة العمرية بين 13 و17 عامًا هي الأكثر تشبعًا بالتقنية، حيث يستخدم 95% منهم منصات التواصل الاجتماعي، بينما يعترف ثلثهم بأنهم يستخدمونها "بشكل مستمر تقريبًا".
ولا يمر هذا الاستخدام الكثيف دون ثمن باهظ؛ فالبيانات تؤكد أن المراهقين يقضون حاليًا ما متوسطه 3.5 إلى 4.8 ساعة يوميًا على هذه المنصات، وهو ما يتجاوز الحد الآمن الذي وضعه الخبراء بـ "3 ساعات"، والذي يرتبط بعده خطر الإصابة بالاكتئاب والقلق بمعدل الضعف.
الفروق الجندرية في استخدام منصات التواصل الاجتماعي بين الأطفال
تظهر الأرقام الواردة في الدراسات المقارنة لعام 2024 أن الفتيات المراهقات هن الضحية الأولى لمنصات التواصل الاجتماعي، خاصة فيما يتعلق بـ "تشوه صورة الجسد"، ففي حين يشعر 46% من الفتيات بسوء تجاه أجسادهن نتيجة التعرض المستمر لصور "المؤثرين" المعدلة، نجد أن هذه النسبة تنخفض بشكل كبير لدى الفتيان.
وعلاوة على ذلك، تعاني 25% من الفتيات من أعراض القلق والاكتئاب المرتبطة بالمقارنة الاجتماعية، مقارنة بـ 14% لدى الفتيان، مما يوضح أن الخوارزميات تستهدف الحساسية العاطفية لدى الإناث بشكل أكثر حدة.
وبجانب الأضرار النفسية، يبرز التهديد البيولوجي المتمثل في "اضطرابات النوم" كعامل مشترك يهدد 50% من المراهقات و40% من المراهقين.
وتوضح تقارير عام 2025 أن الاستخدام المتأخر للهواتف الذكية وتصفح منصات التواصل الاجتماعي حتى ساعات الفجر يمنع إفراز هرمون "الميلاتونين" بسبب الضوء الأزرق، والأسوأ من ذلك هو "التحفيز الذهني" الذي يمنع الدماغ من الدخول في مراحل النوم العميق الضرورية لتثبيت الذاكرة والاتزان العاطفي، مما يخلق جيلاً يعاني من الإرهاق المزمن وضعف الأداء الأكاديمي.
كيف تحطم الشاشات مهارات الأطفال؟
تشير المراجعة العلمية الشاملة التي نشرتها المكتبة الوطنية للطب بالولايات المتحدة، والتي شملت 42,380 مشاركًا أن الإفراط في استخدام التقنية يؤدي إلى ضعف الذاكرة العاملة وتراجع الوظائف التنفيذية.
وتؤكد البيانات أن أطفالًا في سن الخامسة يفتقرون الآن إلى "القوة العضلية" اللازمة للجلوس على الأرض في الفصول الدراسية لأنهم قضوا طفولتهم في وضعية "الانحناء على الأجهزة".
وتعني سيطرة منصات التواصل الاجتماعي على وقت الطفل تراجعًا ملموسًا في مهارات التواصل اللفظي والكتابة والحساب، حيث ربطت دراسة نيوزيلندية حديثة بين قضاء 90 دقيقة يوميًا أمام الشاشات وبين أداء أقل من المتوسط في المهارات اللغوية والرياضية.
بيد أن الخطر الأكبر يتمثل في تدمير "الانتباه العميق"؛ فالدماغ الذي يعتاد على الفيديوهات القصيرة التي لا تتجاوز 15 ثانية على منصات التواصل الاجتماعي يفقد القدرة تدريجيًا على قراءة كتاب أو متابعة درس تعليمي طويل.
ويمثّل هذا التحول من "التركيز الطويل" إلى "الانتباه المجزأ" تهديدًا وجوديًا للقدرات الإبداعية، ويجعل المراهقين أكثر عرضة للإصابة بأعراض تشبه اضطراب نقص الانتباه وفرط الحركة، حتى لو لم تكن لديهم ميول وراثية لذلك.
التقنية بحاجة للتنظيم
وتماشيًا مع هذا الانفجار الإحصائي، بدأت دول العالم في اتخاذ مسارات تشريعية راديكالية لحماية "السيادة العصبية" للجيل الناشئ، ففي سبتمبر 2025، دخلت أستراليا التاريخ كأول دولة تفرض حظرًا كاملًا على استخدام منصات التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن الـ16، مع فرض عقوبات مالية ضخمة على الشركات التي تفشل في التحقق الصارم من أعمار المستخدمين.
وفي المملكة المتحدة، تم تقديم تعديلات قانونية في يونيو 2025 تهدف إلى حظر الهواتف الذكية في المدارس ورفع سن "الموافقة الرقمية" إلى 16 عامًا لضمان حماية الأطفال من الخوارزميات الإدمانية.
ويؤكد "لورد ناش"، وزير التعليم البريطاني السابق، أن نمو منصات التواصل الاجتماعي بين الأطفال الذين لم يتقنوا القراءة بعد هو "فشل أخلاقي وتحدٍ للصحة العامة".
وتطالب التوصيات الجديدة بشن حملات قومية تشبه حملات مكافحة التدخين، لتوعية الآباء بأن الشاشة ليست أداة ترفيه بريئة، بل هي بوابة لخوارزميات ذكاء اصطناعي تستهدف تغيير كيمياء الدماغ وتحويل الطفل إلى "منتج" يتم بيع بياناته السلوكية للمعلنين في سوق تتجاوز قيمتها 11 مليار دولار سنويًا من القصر وحدهم.
الفخ الخوارزمي واقتصاد الانتباه المرعب
وعلاوة على ذلك، يوضح التشريح السلوكي للاستغلال الخوارزمي أن الشركات التقنية تستخدم تقنيات "التعلم الآلي" لتحليل البصمة الرقمية للطفل بدقة متناهية.
وتقوم هذه الأنظمة بدفع محتوى يستهدف نقاط الضعف العاطفية، مما يزيد من وقت الشاشة ويجعل الانفصال عن منصات التواصل الاجتماعي أمرًا مؤلمًا عصبيًا.
ويستهدف هذا التصميم المتعمد يستهدف إبقاء الطفل في "حالة استنفار دوباميني" دائمة، مما يضعف قدرته على ضبط النفس ويزيد من اندفاعيته وسلوكه العدواني تجاه محيطه الاجتماعي الفيزيائي.
ويجزم الخبراء أن الحل لا يكمن فقط في الرقابة الأبوية، بل في تغيير بنية هذه المواقع ذاتها، فبينما توفر منصات التواصل الاجتماعي مساحات للإبداع والتواصل، إلا أن "النموذج الربحي" القائم على عدد الساعات يطغى على اعتبارات السلامة العقلية.
وتعتبر العلاقة بين تزايد استخدام منصات التواصل الاجتماعي وارتفاع معدلات الانتحار وإيذاء النفس بين المراهقين حقيقة لا يمكن تجاهلها، فالمقارنة الاجتماعية المستمرة مع حياة "المؤثرين" المثالية تخلق شعورًا مزمنًا بالنقص والدونية.
وتؤكد البيانات أن ثلث المراهقين الذين تتراوح أعمارهم بين 11 و15 عامًا يشعرون بـ "الإدمان" الحقيقي على هذه المواقع، وهو شعور يترافق مع تقلبات مزاجية حادة وعزلة اجتماعية في الواقع الحقيقي، مما يحول الفضاء الرقمي إلى "بيئة سامة" تعيق النمو النفسي السليم.














