تعيش كرة القدم العالمية واحدة من أكثر مراحلها حرجًا وضبابية، مع تفاقم الصراع العلني بين الاتحاد الأوروبي لكرة القدم (يويفا) ورئيس الاتحاد الدولي (فيفا) جياني إنفانتينو، ووتأتي هذه الأزمة على خلفية خطة "فيفا فورورد إنتربرايز" المنهارة، والتي كانت تهدف لبيع حصص من المسابقات الكروية ومستحقاتها لمستثمرين من القطاع الخاص.
وقد وصف محامو الاتحاد الأوروبي هذه الخطوة في وثائق قانونية أُودعت المحاكم الأمريكية بأوصاف شديدة القسوة، مؤكدين أنها ترقى إلى "سوء إدارة إجرامي" وتُمثل "تقصيرًا مذهلًا في أداء الواجب"، ويرى اليويفا أن الصفقة تمت تحت غطاء مكثف من السرية، ما ألحق ضررًا مباشرًا وملموسًا بالفيفا وأعضائه الـ211، بعد تقييم حقوق كأس العالم بقيمة منخفضة للغاية ودون الخضوع لمزادات علنية تنافسية أو تقييم مستقل.
ولا تقتصر المسألة على مجرد خلاف تجاري أو إداري بسيط، بل امتدت لتشمل نصوصًا اتهامية تتحدث عن "أتباع" و"شركاء في مؤامرة"، مع المطالبة بالوصول إلى الوثائق والأدلة للتحضير لمقاضاة جنائية محتملة ضد إنفانتينو أمام القضاء السويسري.
وعلى الرغم من الأجواء المشحونة والضغوط التصاعدية من المشجعين والسياسيين والنقاد، يحاول رئيس الفيفا إظهار تماسكه وثبات موقفه عبر زيارات دولية لتعزيز علاقاته الدبلوماسية، فضلًا عن تحركات حثيثة لضمان الدعم في القارات الأخرى كأفريقيا وآسيا وأمريكا الجنوبية.
المعارك القانونية وحظر الكشف عن الوثائق
وتتجه الأنظار حاليًا نحو القضاء الأمريكي لمعرفة ما إذا كان سيقرر إلزام الأطراف المعنية بتقديم أدلتها ووثائقها للاتحاد الأوروبي أم لا؟، ويسعى اليويفا للحصول على إفادات ووثائق من 3 أطراف رئيسية تشمل الفيفا، وشركة "ثرايف كابيتال" التابعة للمستثمر جوش كوشنر، والرئيس السابق للفورمولا 1 جريج مافي الذي لعب دور المستشار التجاري للصفقة.
ورغم أن القائمين على المؤسسات الاستثمارية ليسوا مدعى عليهم بشكل مباشر في القضية، فإن طلب استدعائهم لتقديم الشهادات قد يواجه اعتراضات قانونية قوية، خاصة مع رغبة المستثمرين في حماية سرية أعمالهم وتفاهماتهم التجارية المستقبلية.
ويُدرك الاتحاد الأوروبي تمامًا أن المسار القضائي لن يكون مفروشًا بالورود، فالتاريخ يشهد على صعوبة إدانة مسؤولي الفيفا أمام المحاكم السويسرية، كما حدث في قضايا سابقة شملت سيب بلاتر وميشيل بلاتيني والتي انتهت بالتبرئة بعد سنوات طويلة من التحقيقات.
ومع ذلك، يراهن المحامون على أن النجاح في انتزاع أوراق ومراسلات الصفقة سيُسلط الضوء على تفاصيل الحوكمة داخل الفيفا، ويكشف للرأي العام العالمي كيفية إدارتها، ما يُضعف موقف إنفانتينو السياسي قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة ويحرمه من غطائه المؤسسي.
البحث عن بديل ومعركة الانتخابات
ويتجاوز هدف الاتحاد الأوروبي مجرد استصدار أحكام قضائية، ليصل إلى فرض إصلاحات هيكلية جذرية تعيد وضع حدود صارمة لسلطة رئيس الفيفا وتضمن إدارتها كمؤسسة شفافة خاضعة للمحاسبة بدلًا من اختزالها في شخص واحد، وتطالب نائبة رئيس اليويفا، لورا ماكاليستر، بضرورة تعزيز مبادئ الاستقلالية والتدقيق النقدي، مؤكدة أن المرحلة المقبلة تتطلب مرشحًا يتمتع بالمصداقية والمؤهلات الكافية لتوحيد صفوف المعارضة وتسيير أجندة التغيير الشامل.
ومع اقتراب المحطات الحسم، سيواجه إنفانتينو خصومه في اجتماع مجلس الفيفا المترقب في شهر أكتوبر، والذي يُتوقع أن يكون شديد التوتر، متبوعًا بموعد فتح باب الترشح للرئاسة في نوفمبر، وصولًا إلى الانتخابات المقرر إجراؤها في شهر مارس، وفي ظل الانقسام الحاد الذي يشهده الشارع الرياضي، سيبقى الرهان قائمًا حول قدرة المعارضة على تقديم منافس موحد وقوي يقدر على انتزاع عرش الفيفا، أو استمرار إنفانتينو في الاحتفاظ بكرسيه بفضل شبكة تحالفاته الواسعة، ما يجعل الشهور المقبلة حاسمة في تحديد مستقبل حوكمة كرة القدم العالمية.













