فتح نظام كأس العالم الجديد الباب أمام نسخة مختلفة من البطولة، بمشاركة 48 منتخبا، ومرحلة مجموعات أوسع، وعدد أكبر من المباريات والقصص، لكن مع نهاية الدور الأول، برز سؤال واضح: هل نجح هذا النظام بالفعل، أم أنه منح البطولة تنوعا أكبر على حساب الإثارة والمخاطر؟
منتخبات صغيرة تصنع المعجزات
من أبرز مكاسب النظام الجديد ظهور منتخبات صغيرة صنعت قصصا يصعب تجاهلها وفي مقدمتها الرأس الأخضر الذي حقق ما بدا مستحيلا وتأهل إلى دور الـ 32، بينما غادرت الأوروغواي البطولة مبكرا، هذه القصة وحدها تمنح الاتحاد الدولي لكرة القدم مادة قوية للدفاع عن قراره بتوسيع البطولة، خاصة أن الرأس الأخضر كان أحد أكثر المنتخبات استفادة من زيادة عدد المشاركين.
دخل منتخب الرأس الأخضر مجموعة صعبة تضم إسبانيا بطلة أوروبا، والأوروغواي، والسعودية، ولم يكن كثيرون يتوقعون له العبور، لكنه خطف نقطة ثمينة من إسبانيا ونجح في حرمانها من التسجيل ثم تعادل مع الأوروغواي 2-2، قبل أن يضمن المركز الثاني بتعادل أخير أمام السعودية.
ورغم أنه أنهى دور المجموعات برصيد ثلاث نقاط فقط، فإنه فعل ما كان مطلوبا منه، وحجز موعدا تاريخيا مع الأرجنتين في ميامي.
ولم تكن قصة الرأس الأخضر رياضية فقط، بل امتدت إلى الجانب الإنساني إذ تحول حارس مرماه فوزينيا، البالغ من العمر 40 عاما، إلى نجم على منصات التواصل بعد تألقه أمام إسبانيا، وقفز عدد متابعيه على إنستغرام من نحو 50 ألفا قبل المباراة إلى خمسة ملايين بعد نهايتها، ثم وصل لاحقا إلى 16.7 مليون متابع. كما تمكنت والدته من حضور مباراة الأوروغواي بعد أن حالت التكلفة العالية للتأشيرة الأمريكية دون سفرها في البداية، في مشهد يلخص سحر كأس العالم.
نظام كأس العالم الجديد يفتح آفاق جديدة
ومن إيجابيات نظام كأس العالم الجديد أنه منح منتخبات أخرى فرصة الظهور. فجزيرة كوراساو، أصغر دولة تتأهل في تاريخ المونديال، لم تعبر الدور الأول لكنها حصدت نقطة تاريخية أمام الإكوادور. كما تأهلت جمهورية الكونغو الديمقراطية ضمن أفضل الثوالث بعد تعادلها 1-1 أمام البرتغال، بينما خطف الهايتي ويلسون إيسيدور الأنظار بهدف مميز أمام المغرب.
كذلك فتحت التوسعة الباب أمام منتخبات مثل (البوسنة والهرسك، كندا، مصر، كوت ديفوار، وجنوب إفريقيا) للوصول إلى الأدوار الإقصائية للمرة الأولى في تاريخها، لكن هذا الإنجاز يحتاج إلى قراءة متوازنة لأن الوصول إلى دور الـ 32 أصبح أسهل من السابق في ظل صعود عدد أكبر من المنتخبات، وتحول الدور الإقصائي الأول إلى ما يشبه حجم كأس العالم القديم بالكامل.
وكانت إفريقيا من أكبر الرابحين في هذه النسخة، بعدما تأهلت 9 منتخبات من أصل 10 إلى دور الـ 32، وهو رقم يعكس تطورا واضحا في حضور القارة داخل البطولة.
وإذا كانت إفريقيا قد قدمت دليلا قويا على جدوى نظام كأس العالم الجديد، فإن آسيا والكونكاكاف قدمتا صورة مختلفة، فقد حققت المنتخبات الآسيوية ثلاثة انتصارات فقط من أصل 27 مباراة، ولم يتأهل منها سوى أستراليا واليابان، رغم زيادة المقاعد المباشرة من 4 إلى 8، إضافة إلى تأهل العراق عبر الملحق.
أما منتخبات الكونكاكاف غير المستضيفة فظهرت بصورة ضعيفة، إذ استقبلت شباك كوراساو وهايتي وبنما 21 هدفا مقابل تسجيل 3 أهداف فقط.
المنتخبات الكبيرة لا تختبر
على الجانب الآخر، كشفت مرحلة المجموعات عن مشكلة أساسية في نظام كأس العالم الجديد، وهي غياب التهديد الحقيقي للمنتخبات الكبرى.
فمن بين أفضل 12 مصنفا، لم يفشل في صدارة مجموعته سوى كندا والبرتغال، وباستثناء خروج الأوروغواي المفاجئ، بدت المرحلة الأولى في كثير من لحظاتها كأنها ماراثون طويل لتصفية 16 منتخبا قبل بدء المنافسة الحقيقية.
وتسببت قواعد تأهل أفضل أصحاب المركز الثالث في تقليل حدة المخاطر، بينما أدى اعتماد المواجهات المباشرة كأول معيار للحسم عند تساوي النقاط إلى فقدان الجولة الأخيرة جزءا من إثارتها، وضمنت أربعة منتخبات صدارة مجموعاتها قبل جولة من النهاي، بينما ودعت خمسة منتخبات البطولة مبكرا، ما جعل عددا من المباريات أقرب إلى تحصيل حاصل.
ارتفاع معدل التهديف
ورغم أن مرحلة المجموعات شهدت معدلا تهديفيا مرتفعا بلغ 2.99 هدف في المباراة، وهو الأعلى منذ بدء نظام الـ32 منتخبا عام 1998، فإن كثرة الأهداف لا تعني بالضرورة زيادة الإثارة، ففي مونديال 2022 انتهت خمس مباريات فقط بفارق ثلاثة أهداف أو أكثر، بينما ارتفع العدد في هذه النسخة إلى 18 مباراة، وهو ما يعكس اتساع الفوارق بين بعض المنتخبات أكثر مما يعكس ندية أكبر.
كما أثار نظام أفضل الثوالث جدلا واسعا، بعدما اضطرت منتخبات مثل اسكتلندا وكوريا الجنوبية إلى الانتظار عدة أيام لمعرفة مصيرها، بينما استفادت منتخبات لعبت لاحقا من معرفة النتائج المطلوبة للتأهل، وظهر ذلك بوضوح عندما كان السنغال يعرف أنه بحاجة إلى فوز كبير على العراق فحقق نتيجة 5-0 وخطف المقعد الأخير بين أفضل الثوالث.
وفي مباريات أخرى، سمح النظام لبعض المنتخبات باللعب على التعادل لضمان العبور معا، كما حدث في مباريات انتهت بنتائج خدمت الطرفين وأقصت منافسين آخرين، وهنا تبدو الأزمة واضحة: التوسعة منحت قصصا جميلة، لكنها خلقت حسابات معقدة أضرت بروح المنافسة في بعض اللحظات.
في النهاية، لا يمكن وصف نظام كأس العالم الجديد بالفشل الكامل، ولا اعتباره نجاحا مطلقا. فقد منح البطولة وجوها جديدة، وفتح الباب أمام قصص ملهمة، وأثبت قوة الحضور الإفريقي، لكنه في الوقت نفسه أضعف جزءا من إثارة دور المجموعات وقلل الخطر على الكبار وجعل بعض المباريات رهينة للحسابات.











