يوجد داخل بطولات كأس العالم لكرة القدم (FIFA) العديد من الأسرار؛ بدءًا من الأسباب الحقيقية وراء الارتفاع الجنوني لأسعار التذاكر، وصولًا إلى "الخلطة السرية" للعشب المثالي في الملاعب.
ولكن، هناك تأثيرات خفية وسحرية أخرى تتركها كبرى الفعاليات الرياضية من بينها كأس العالم على عقول ونفوس كل من يشاهدها أو يشارك في احتفالاتها الصاخبة.
فالرياضة لم تعد مجرد تسلية، بل محرك نفسي واجتماعي يؤثر بشكل مباشر على صحة الإنسان وسلوك المجتمعات، لاسيما عند الحديث عن علم نفس الجماهير.
الهزيمة في كأس العالم تهدد القلوب
عندما يكون فريقك الرياضي المفضل هو كل حياتك، فمن المستحيل تقريبًا ألا ترتفع وتنخفض معه نفسيًا وعاطفيًا مع كل صافرة حكم.
وللأسف، فإن الأخبار السيئة هنا قد تكون أسوأ مما تتوقع؛ فالمشجعون لا يكتفون بالشجار في المدرجات أو العودة إلى منازلهم بمزاج سيئ بعد خسارة فريقهم فحسب، بل إن الدراسات الطبية والنفسية التي أُجريت على نتائج مباريات كرة القدم أظهرت أن الهزيمة ترفع مستويات التوتر بشكل حاد.
وهذا الأمر يزيد من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية وعوارض القلب والأوعية الدموية الأخرى؛ فالتعصب الرياضي هنا يتحول من أزمة سلوكية إلى خطر صحي حقيقي يهدد الحياة.
فرحة تنتهي مع الصباح
على الجانب الآخر، فإن الانتصارات التي يحققها الفريق الذي تشجعه تحمل أيضًا آثارًا إيجابية على الرفاهية النفسية، لكنها مؤقتة للغاية.
فعندما درس الباحثون ردود أفعال المشجعين بعد فوز المنتخب الألماني في بطولة كأس عالم سابقة، شهدوا طفرة وتحسنًا ملحوظًا في حالتهم المزاجية.
وارتبط هذا التأثير مباشرة بحجم الفوز وأهميته (حيث أدى الفوز على غريم قوي تقليدي إلى قفزة هائلة في المعنويات، بينما أدى التعادل إلى انخفاض الرفاهية والنظرة الإيجابية).
ومع ذلك، فإن هرمونات السعادة هذه تتبخر سريعًا، إذ يختفي الأثر النفسي الإيجابي تمامًا وبشكل صادم بحلول صباح اليوم التالي، ليعود المشجع إلى واقعه المعتاد.
بعيدًا عن المشجع الفرد، هناك تأثير أكبر لبطولات الفيفا على المجتمع ككل؛ حيث أثبتت التجارب أن "الذاكرة الجمعية" للشعوب تتأثر بمونديال كاس العالم تمامًا كما تتأثر بالحروب وتغير الرؤساء والزعماء.
فحتى مجرد تذكر لحظات استضافة كأس العالم بالنسبة للجماهير فهذا كفيلًا بزيادة مشاعر الفخر الوطني وتعزيز الهوية والانتماء.
ومع ذلك، فإن كل تأثير إيجابي ينطوي على جانب مظلم؛ وهو ما يُعرف بـ "مفارقة الأولمبياد والمونديال"، فالرياضة التي تشتهر بقدرتها على جمع الشعوب تفتح الباب أحياناً لتعزيز الانقسامات والانحيازات.
ووجد علماء النفس أن التنافس الشديد قد يدفع بعض المشجعين إلى ممارسة التمييز أو إظهار سلوكيات عدائية ضد المجموعات والجاليات التي تعاني أصلاً من صور نمطية سلبية في مجتمعهم خلال فترة البطولة، مقارنة بالفترات التي تسبقها.
ويمكن القول أن من يراقب ما يحدث في كأس العالم وبعده، فبغض النظر عمن تشجعه وعن اللعبة التي تعشقها، فمن المؤكد أن علم نفس الجماهير يثبت أن هذا الحدث الكروي الضخم قادر على تغييرك وتغيير من حولك بطرق لا تتوقعها.











