تُعدّ بطولة كأس العرب من أكثر المسابقات التي حملت طابعًا وجدانيًا وتاريخيًا، إذ لم تكن مجرد منافسة كروية تبحث فيها المنتخبات العربية عن اللقب، بل جاءت في الأصل كمشروع وحدوي يهدف إلى إبراز الهوية الرياضية العربية، وتأسيس مسابقة رسمية تجمع منتخبات المنطقة تحت مظلة مشتركة.
وبينما يستعد العالم العربي لمتابعة نسخة 2025 التي تستضيفها قطر، تعود الأسئلة مجددًا إلى الواجهة: كيف بدأت قصة كأس العرب؟ ولماذا واجهت كل هذا التحدي قبل أن تتحول إلى بطولة رسمية تحت إشراف الفيفا لأول مرة في 2021؟
يُعيد هذا التقرير تتبع جذور البطولة، ويحكي محطات تحوّلها، ويستعرض كيف صنعت نجوماً كبارًا منذ نسختها الأولى.
النشأة الأولى لكأس العرب.. فكرة لبنانية تتحول إلى بطولة إقليمية
بدأت قصة كأس العرب في مطلع الستينيات من لبنان، وتحديدًا عبر الصحافي الرياضي ناصيف مجدلاني والأمين العام للاتحاد اللبناني لكرة القدم عزت الترك، اللذين رأيا ضرورة فصل مسابقة كرة القدم عن الدورات الرياضية العربية العامة التي كانت تُقام منذ عام 1957، وقد طرح الاتحاد اللبناني لكرة القدم رسميًا الفكرة خلال اجتماع استضافته بيروت في سبتمبر 1962، بحضور ممثلين عن اتحادات عربية عدة.
وقبل نهاية ذلك العام، أبدت خمس دول عربية استعدادها لتبني المبادرة: سوريا، تونس، الكويت، الأردن، ولبنان، وكانت الاستجابة الحماسية تعبيرًا عن رغبة عربية مشتركة لرؤية بطولة تجمع المنتخبات العربية في منافسة مستمرة ومنظمة، بعيدًا عن الارتباط بالدورات الرياضية الشاملة.
وفي 31 مارس 1963، أبصرت البطولة النور رسميًا، بعدما احتضنت العاصمة اللبنانية بيروت النسخة الافتتاحية بملاعب مدينة كميل شمعون الرياضية، وقد شارك في تلك النسخة خمسة منتخبات "لبنان – الكويت – الأردن – سوريا – تونس"، وأقيمت بنظام الدوري من مرحلة واحدة، والتي انتهت بتتوج المنتخب التونسي ليصبح أول بطلًا للعرب في التاريخ.
أهداف الاتحاد العربي وقتها
منذ اللحظة الأولى، لم يكن الهدف رياضيًا فقط، بل كان مشروعًا يحمل عدة غايات:
- تأسيس بطولة عربية تستمر بشكل دوري وتنقل صورة الوحدة الرياضية.
- تعزيز حضور الكرة العربية في المحافل الدولية مستقبلاً.
- توفير فرص تنافسية للمنتخبات في وقت كانت البطولات القارية محدودة.
- خلق منصّة تُبرز المواهب العربية وتشكّل بداية لمسار احترافهم.
وهكذا أصبحت كأس العرب مشروعًا وضع اللبنات الأولى لمسيرة طويلة، وإن كانت متقطعة.
محطات التحوّل الكبرى في بطولة كأس العرب
فترة الستينيات.. انطلاقة قوية قبل أول توقف
بعد نجاح النسخة الأولى، أقيمت النسخة الثانية في الكويت عام 1964، حيث شاركت خمسة منتخبات، وتصدر منتخب ليبيا المشهد بقوة، لكن اللقب ذهب للعراق الذي بدأ منذ تلك اللحظة كتابة فصول سيطرته التاريخية على البطولة.
وفي 1966، جاءت النسخة الثالثة في بغداد، وازداد عدد المنتخبات إلى عشرة، وتم تقسيمها على مجموعتين، وتقدّم العراق مجددًا نحو اللقب بعد الفوز على سوريا في النهائي، فيما سجل الليبي علي البسكي حضورًا استثنائيًا بإحراز 10 أهداف كأعلى معدل تهديفي في نسخة واحدة حتى اليوم.
ومع نهاية الستينيات، وبسبب تداعيات حرب 1967 وظهور بطولة “كأس فلسطين”، تراجعت وتيرة تنظيم كأس العرب، ليدخل الجميع في أول مرحلة انقطاع طويلة.
ثمانينيات القرن الماضي.. العودة ثم التوقف مرة أخرى
كان من المقرر أن تعود البطولة عام 1982 من بيروت، بعد أن اجتازت المنتخبات العربية التصفيات الأولية، لكن الاجتياح الإسرائيلي للبنان دمّر البنى الرياضية بما فيها المدينة الرياضية، فألغيت النسخة.
وفي عام 1985، عادت الحياة إلى البطولة عبر مدينة الطائف في السعودية، وشاركت ستة منتخبات قسّمت على مجموعتين، وواصل العراق بسط سيطرته بفوز جديد على البحرين في النهائي، فيما اكتفى المنتخب السعودي بالمركز الثالث.
وتكرّر المشهد نفسه عام 1988 في عمّان، حيث شاركت 10 منتخبات، وتأهل العراق وسوريا إلى النهائي، وفي مباراة درامية انتهت 1–1، حسم العراق اللقب للمرة الرابعة على التوالي بركلات الترجيح.
كما هذه الفترة شهدت أيضًا لحظات إنسانية مؤثرة، خصوصًا عندما تمكن لبنان من إحراز فوزه كبير على في نسخة 1988، رغم أنه كان يعيش حربًا أهلية، وروى اللاعب محمود حمود أن بيروت خرجت في مسيرات احتفال بذلك الانتصار الذي وحّد اللبنانيين في أصعب مرحلة من تاريخهم الحديث.
التسعينيات وبدايات الألفية.. فترات متقطعة ونظام بطولات متغير
عام 1992، استضافت سوريا النسخة السادسة في مدينة حلب، وشهدت بروز المنتخب المصري الذي فاز باللقب بعد مباراة مثيرة أمام السعودية انتهت 3–2، كما قدّمت الكويت أداءً لافتًا واحتلت المركز الثالث.
أما نسخة 1998 في الدوحة فكانت الأكثر مشاركة في تاريخ البطولة حتى ذلك الوقت بـ12 منتخبًا، وتم تطبيق نظام المجموعات الأربع، وتأهل المتصدرون إلى نصف النهائي، وفي النهاية فازت السعودية على قطر في نهائي قوي بنتيجة 3–1، وبرز آنذاك النجم القطري مبارك مصطفى الذي حصد لقب أفضل لاعب، بينما خطف السعودي عبيد الدوسري لقب الهداف.
وفي 2002، عادت البطولة إلى الكويت بمشاركة 10 منتخبات، وشهدت تفوقًا سعوديًا جديدًا، حيث فازت “الأخضر” على البحرين بهدف ذهبي في النهائي ليحصد لقبه الثاني.
وبعد ذلك، كان مخططًا إقامة نسخة 2009، لكنها ألغيت بسبب خلافات مع الشركات الراعية، قبل أن تُقام آخر نسخة عربية تقليدية في السعودية عام 2012، وتتوج المغرب باللقب.
من الانقطاع إلى تبني الفيفا لكأس العرب عام 2021
بعد توقف استمر 9 سنوات، جاء التحول الأكبر في تاريخ كأس العرب حين أعلن رئيس الفيفا جياني إنفانتينو تبني البطولة رسميًا، كحدث تحضيري لكأس العالم 2022، وأُقيمت النسخة التاريخية عام 2021 في قطر تحت اسم «فيفا كأس العرب»، وفازت الجزائر باللقب بعد نهائي مثير أمام تونس.
بهذه الخطوة، انتقلت البطولة من إطارها الإقليمي المتقطع إلى مصاف البطولات التي تحظى بإشراف دولي كامل، ما عزّز قيمتها التسويقية والفنية.
كيف صنعت كأس العرب نجومًا أصبحوا أساطير؟
منذ نسختها الأولى، كانت كأس العرب منصة مهمة لظهور المواهب العربية قبل أن تشق طريقها نحو الاحتراف أو التألق في البطولات القارية، ويعتبر أبرز 3 نوم كانت بداية سطوعهم في كأس العرب هي نقطة الانطلاق في مسيرة حافلة بالنجاحات في عالم الساحرة المستديرة هم:
اللبناني عدنان الشرقي.. من أول هدف إلى موسوعة غينيس
يحتفظ التاريخ اللبناني والعربي باسم عدنان الشرقي "عدنان مكداش" كأحد الآباء المؤسسين لنجومية كأس العرب، حيث كان لاعبًا شابًا في نسخة 1963، وسجل اسمه بأحرف من نور كصاحب أول هدف في تاريخ البطولة، لم يكتف بذلك، بل تألق في نسخة 1966 وسجل هدفين في مرمى الكويت.
منحت هذه الانطلاقة في كأس العرب الشرقي الثقة والشهرة التي بنى عليها مسيرة أسطورية كمدرب لنادي "الأنصار"، حيث حقق 11 لقباً للدوري اللبناني على التوالي - رقم قياسي عالمي - ، وقاد منتخب بلاده في تصفيات كأس العالم 1994.
السعودي سامي الجابر.. قصة الانطلاقة في "11 سبتمبر"
بالنسبة لأسطورة الكرة السعودية سامي الجابر، كانت كأس العرب 1992 هي بوابة العبور نحو المجد، ففي 11 سبتمبر 1992، خاض الجابر مباراته الدولية الأولى بقميص "الأخضر" ضد سوريا ضمن منافسات كأس العرب، وفي تلك المباراة، سجل الجابر هدفاً في التعادل (1-1)، معلناً عن مولد مهاجم من طراز نادر.
وكانت تلك البطولة الانطلاقة الحقيقية التي مهدت له الطريق للمشاركة في 4 بطولات كأس عالم متتالية (1994-2006) وتسجيل أهداف في 3 منها، حيث كانت كأس العرب هي "الاختبار الأول" الذي نجح فيه "الذئب" بامتياز.
المصري أحمد حسن.. الصقر يحلق من الدوحة
رغم شهرة أحمد حسن كعميد للاعبي العالم وأسطورة أفريقية، إلا أن بداياته الدولية القوية مرت عبر بوابة كأس العرب 1998 في الدوحة.
وقبل أن يرفع كأس أمم أفريقيا 1998 في بوركينا فاسو، شارك الصقر مع المنتخب المصري في كأس العرب، حيث سجل هدفاً في مرمى الكويت. كانت هذه المشاركات العربية هي التي صقلت شخصية اللاعب الشاب حينها، ومنحته الاحتكاك الدولي اللازم ليقود مصر لاحقاً للهيمنة على القارة السمراء.
المنتخبات الأكثر تتويجًابكأس العرب
العراق: 4 ألقاب (1964، 1966، 1985، 1988).
السعودية: بلقبين (1998، 2002).
تونس: لقب واحد (1963)
مصر: لقب واحد (1992)
المغرب: لقب واحد (2012)
الجزائر: لقب واحد (2021)
بينما سوريا تمتلك الرقم القياسي في عدد خسائر النهائي بـ3 مرات.
كأس العرب 2025.. موعد جديد لبطولة تستعيد أمجادها
تستضيف قطر نسخة 2025 من بطولة كأس العرب تحت إشراف الفيفا، وحيث انطلقت الأدوار التمهيدية في 25 نوفمبر 2025، بينما تنطلق النهائيات – دور المجموعات – في الأول من ديسمبر وتستمر حتى يوم 18 من الشهر نفسه، ويشارك بها 16 منتخبًا موزعين على أربع مجموعات، يتأهل منها الأول والثاني إلى ربع النهائي.
يمكنك أن تقرأ أيضًا:
بطولة كأس العرب.. المتعة المُغلّفة بالوحدة تعود من جديد
إنفوجرافيك| قائمة الفائزين بكأس العرب عبر التاريخ
قانون فينغر.. قاعدة جديدة للتسلل تغيّر كرة القدم التي نعرفها












