كيف تتحول قطرات الماء الصغيرة داخل السحابة إلى مطر يسقط على الأرض؟ سؤال يبدو بسيطًا، لكنه ظل لغزًا لعلماء الغلاف الجوي لعقود، خاصةً عندما يتعلق الأمر بـ"السحب الدافئة" التي تنتج كثيرًا من الأمطار، خاصةً في المناطق الاستوائية.
الآن، يقول باحثون إنهم اقتربوا خطوة من الإجابة، بعدما اكتشفوا مناطق صغيرة داخل هذه السحب تتجمع فيها قطرات الماء وتزداد فرص اصطدامها ببعضها، وهي خطوة أساسية حتى تكبر القطرات وتتحول إلى أمطار، وفقًا لموقع "Science Alert".
طائرة ورقية تكشف ما يحدث داخل السحب
للوصول إلى هذه المناطق، استخدم باحثون من معهد ماكس بلانك للديناميكيات والتنظيم الذاتي (MPI-DS) طائرتهم "CloudKite"، وهي طائرة ورقية مملوءة بالهيليوم، للتحليق داخل السحب الركامية المنخفضة بالقرب من بربادوس.
ويقول محسن باقري، الباحث في فيزياء السحب الدقيقة واضطراب الغلاف الجوي والمؤلف الرئيسي للدراسة المنشورة في مجلة PNAS: "تمكنا من دراسة تفاصيل سحابة دافئة بدقة غير مسبوقة".
وتختلف "CloudKite" عن الطائرات التقليدية التي تجمع قياسات في أثناء تحليقها بسرعة، وعن الطائرات بدون طيار التي يكون وقت تحليقها محدودًا، ويصفها باقري بأنها "أشبه بمجهر ثلاثي الأبعاد، يتيح لنا رؤية القطرات داخل السحب وقياس أحجامها وتوزيعها".
وتستطيع الطائرة تصوير قطرات الماء داخل السحابة وتحديد مواقعها وأحجامها، وتسجل البيانات 75 مرة في الثانية، ما يسمح للباحثين بمتابعة ما يحدث داخل السحابة بتفاصيل دقيقة جدًا.
أين يبدأ المطر؟
لكي تتحول قطرة ماء صغيرة إلى قطرة مطر، عليها أن تصطدم بقطرات أخرى وتندمج معها. ومع استمرار هذه العملية، تكبر القطرة وتصبح أثقل، حتى تسقط في النهاية من السحابة على شكل مطر، وهنا توصل الباحثون إلى نتيجة لافتة: هذه العملية لا تحدث بالتساوي في أنحاء السحابة، بل تتركز في مناطق صغيرة جدًا أطلقوا عليها "بؤرًا ساخنة".
وفي السحب التي فحصها الفريق، لم تكن هذه المناطق واسعة. فقد امتدت على مساحة لا تتجاوز مترًا واحدًا أي ما يعادل 3.3 قدم، وكانت قطرات الماء متقاربة للغاية، بحيث لا تفصل بينها في بعض الحالات سوى مسافة تقارب مليمتر واحد هو ما يعادل 0.04 بوصة.
وقالت بيرتي ثيدي، الباحثة في فيزياء السحب الدقيقة والمؤلفة الأولى للدراسة: "تجمع القطرات في هذه المناطق يزيد بشكل كبير من فرص اصطدامها ببعضها"، مضيفةً: "لذلك، قد تكون هذه البؤر الصغيرة هي الأماكن التي يبدأ فيها المطر بالتشكل داخل السحب الركامية الضحلة".
لماذا تتجمع القطرات في هذه الأماكن؟
لا يملك العلماء الإجابة الكاملة بعد، فالدراسة أظهرت أن هذه البؤر لا ترتبط بشكل واضح بتركيز القطرات أو متوسط حجمها، ويبحث الفريق حاليًا في دور عوامل أخرى، من بينها الاضطراب داخل السحابة، لمعرفة ما إذا كانت حركة الهواء تساعد على دفع القطرات إلى هذه المناطق وزيادة فرص اصطدامها واندماجها.
وتختلف النتائج عن أبحاث سابقة أشارت إلى أن تجمع القطرات يكون أكثر انتشارًا في السحب الطبقية الركامية الضحلة، ويرى الباحثون أن أدوات الرصد السابقة ربما لم تكن قادرة على رؤية التجمعات الصغيرة التي كشفت عنها "CloudKite".
اكتشاف قد يحسن توقعات الطقس
لا يتعلق الأمر بالمطر وحده، فالسحب تؤدي دورًا هامًا في توازن الطاقة على الأرض، من خلال عكس وامتصاص وإطلاق الإشعاع الشمسي، ولهذا، فإن معرفة الأماكن التي تبدأ فيها قطرات الماء بالتصادم والاندماج، وكيف تتحول في النهاية إلى قطرات مطر، يمكن أن تساعد العلماء على تحسين نماذج المناخ والتنبؤات الجوية.
ويستعد الباحثون لتنفيذ رحلات جديدة باستخدام "CloudKite" فوق الأمازون وبحر البلطيق وفنلندا، ويقول باقري إن الكشف عن تفاصيل ما يحدث داخل السحب الدافئة سيساعد على فهم تكوّن الأمطار بشكل أفضل وتحسين دقة التنبؤات الجوية.














