تكشف الساعات البيولوجية عن عوامل خفية قد تسهم في تسريع الشيخوخة، في وقت تحظى فيه هذه الأدوات باهتمام متزايد داخل صناعة العافية لقياس "العمر البيولوجي" بدلًا من العمر الزمني، عبر عينات مثل الدم أو اللعاب أو خلايا الخد.
وتعتمد هذه الساعات على تحليل تغيّرات جزيئية في الحمض النووي لتقدير حالة الجسم مقارنة بمسار الشيخوخة الطبيعي، بحيث قد يبدو بعض الأشخاص أصغر أو أكبر بيولوجيًا من أعمارهم الفعلية، وفقًا لوتيرة التغيرات الصحية لديهم.
وتشير أبحاث سابقة إلى أن مجموعة من العوامل المرتبطة بنمط الحياة، مثل النوم والتغذية والرياضة والمكملات، قد تساهم في إبطاء الشيخوخة البيولوجية، إلا أن هذه الخيارات لا تكون متاحة للجميع بالقدر نفسه، خصوصًا في ظل الضغوط المالية وأشكال التهميش الاجتماعي.
وتُظهر دراسة جديدة أن هذا التفاوت لا ينعكس فقط على الأفراد، بل يمتد إلى فئات سكانية كاملة، وقد يبدأ تأثيره في مراحل مبكرة من العمر، وفقًا لموقع "Science alert".
66 ألف شخص يكشفون أثر الشيخوخة
الدراسة التي أُجريت في معهد ماكس بلانك للتنمية البشرية في ألمانيا وجامعة كولومبيا في الولايات المتحدة، ونشرت في مجلة "Nature Human" السلوك، اعتمدت على تحليل بيانات 140 دراسة سابقة شملت نحو 66 ألف شخص من 23 دولة، بأعمار تراوحت بين صفر و86 عامًا، بهدف اختبار مدى قدرة الساعات اللاجينية على رصد تأثيرات الوضع الاجتماعي والاقتصادي والتمييز العرقي على الشيخوخة.
وأظهرت النتائج أن انخفاض الوضع الاجتماعي والاقتصادي، وربما التهميش العرقي أو الإثني، يرتبط باستمرار بزيادة معدل الشيخوخة البيولوجية، خاصةً عند استخدام الأجيال الأحدث من هذه الساعات، والتي صُممت لقياس وتيرة الشيخوخة والصحة ومخاطر الوفاة بدقة أكبر من النماذج الأقدم التي ركزت على العمر الزمني.
كما بيّنت البيانات أن آثار الفقر على الشيخوخة كانت أكثر وضوحًا لدى الجيل الثالث من الساعات اللاجينية، مقارنة بالأجيال السابقة، ما يعزز دقتها في رصد التغيرات الصحية المرتبطة بالبيئة الاجتماعية.
وعند تحليل بيانات الأطفال، وجد الباحثون أن مؤشرات الشيخوخة البيولوجية المرتبطة بانخفاض الوضع الاجتماعي والاقتصادي تظهر مبكرًا، مع ملاحظة أن الأطفال في البيئات الأكثر فقرًا قد يبدون أكثر تقدمًا في العمر بيولوجيًا مقارنة بأقرانهم، رغم التحفظ على دقة هذه النتائج بسبب اختلاف خصائص الأطفال عن البالغين.
وأشار الباحثون إلى أن "هذه الساعات طُوِّرت بالاعتماد على بيانات البالغين، لذلك قد تكون دقتها أقل عند تطبيقها على الأطفال، إذ قد تتداخل مؤشرات النمو الطبيعي لديهم مع مؤشرات الشيخوخة البيولوجية، ما يستدعي التعامل مع النتائج بحذر".
كيف تؤثر البيئة الاجتماعية في تسريع الشيخوخة؟
وفي ما يخص البالغين، أظهرت النتائج أيضًا أن من نشأوا في بيئات اجتماعية واقتصادية منخفضة يميلون إلى وتيرة شيخوخة أسرع مقارنة بمن نشأوا في بيئات أكثر استقرارًا اقتصاديًا.
كما شملت الدراسة تحليلات لبيانات في الولايات المتحدة قارنت بين مجموعات عرقية مختلفة، حيث تبين أن الشيخوخة البيولوجية كانت أبطأ لدى الأفراد البيض مقارنة بالسود واللاتينيين، مع اتساع الفجوة بشكل أكبر بين البيض والسود، خاصة في بيانات الجيل الثالث من الساعات اللاجينية.
ولفت الباحثون إلى وجود مؤشرات على تحيزات في بعض النماذج المستخدمة، مع التأكيد على ضرورة الحذر في تفسير النتائج نظرًا لتداخل العوامل الاجتماعية والاقتصادية والصحية، وعدم قدرة البيانات الذاتية عن العرق على عكس كل أبعاد التمييز الهيكلي.
ويشير الباحثون إلى أن قدرة هذه الساعات على رصد هذه الفوارق قد تفتح المجال لاستخدامها في أبحاث أعمق حول تأثير عدم المساواة على الصحة، وربما في تقييم تدخلات أكثر فاعلية لتحقيق عدالة صحية أكبر.













