شهد العصر الثلاثي (الترياسي) نشاطًا تطوريًا هائلاً، حيث تفرعت أسلاف العديد من مجموعات الحيوانات الحديثة إلى تنوع مذهل من الأشكال وأنماط الحياة.
وفي خضم هذا العصر، كان التطور يشكل مخططات جسدية تشبه إلى حد كبير حيوانات مألوفة في يومنا هذا، رغم أن تلك المخلوقات القديمة تنتمي في الواقع إلى سلالات مختلفة تمامًا.
مفاجأة العصر الثلاثي
ومن أبرز الأمثلة الصارخة التي تجسد هذه التجارب التطورية، ما كشف عنه بحث حديث نُشر في "مجلة علم الحفريات الفقارية" حول زاحف مكتشف حديثًا أُطلق عليه اسم "لابروخاسوكس إكسبيكتاتوس".
يمتلك هذا القريب القديم للتماسيح بنية جسدية فريدة تجعله يبدو أقرب إلى الديناصورات الشبيهة بالنعام؛ إذ كان يتحرك على قدمين وله أطراف أمامية ضامرة وينتهي فمه بمنقار خالٍ من الأسنان، وهو ما يجعله مختلفًا تمامًا عن تمساحيات العصر الحالي التي تمتاز بكونها مفترسات رباعية الأرجل ذات فكوك قوية وأسنان وفيرة.
ورغم هذا المظهر الخارجي المضلل، فإن التحليلات تؤكد انتماء هذا المخلوق إلى سلالة الأركوصورات التي انبثقت منها التماسيح الحديثة.
ويعج السجل الأحفوري للعصر الثلاثي بمجموعات استثنائية من الزواحف التي قد تبدو غريبة وفضائية بالمعايير الحديثة، حيث عاشت في ذلك العصر "اللاغربتيدات" التي تعد أقارب مقربة للديناصورات وتطورت ذريتها لاحقًا إلى تيروصورات طائرة، بجانب حيوان "الدريبانوصور" غير العادي الذي تميز بنمط حياة شجري ومخلب كبير يشبه مخلب حيوان الكسلان بالإضافة إلى مخلب آخر في ذيله القابل للإمساك بالأشياء.
"لابروخاسوكس" وأسرار التطور التقاربي
في هذا المشهد البيئي المعقد، برز "لابروخاسوكس إكسبيكتاتوس" كأحدث عضو ينضم إلى فصيلة "الشفوصوريات"، وهي مجموعة صغيرة من أقارب التماسيح التي تشابهت أجسادها بنيويًا مع ديناصورات الثيروبودات التي تمشي على قدمين.
ويعلق الدكتور آلان تيرنر، المؤلف الرئيسي للبحث، على هذا الاكتشاف موضحًا أن العديد من الاستراتيجيات الناجحة للحيوانات الحديثة والديناصورات غير الطيور ظهرت جذورها الأولى في العصر الثلاثي، وتعتبر الشفوصوريات نموذجًا مثاليًا لهذا "التطور التقاربي"، إذ يمثل السير على قدمين مسارًا فريدًا لأقارب التماسيح، ولكنه في الوقت نفسه مسار مجرّب وناجح سلكته الديناصورات والطيور لاحقًا.
يكتسب هذا الاكتشاف أهمية علمية خاصة، نظرًا لأن الأنواع المحددة من الشفوصوريات لم تكن تتجاوز 5 أنواع فقط حتى الآن، حيث ساهم "لابروخاسوكس" في جسر فجوة تطورية كانت مفقودة بين نوعين معروفين سابقًا في ذات المنطقة.
وكان علماء الحفريات يتوقعون وجود مثل هذه الحلقة الوسيطة بناءً على المكتشفات السابقة، وهو التوقع الذي ألهمهم لاختيار اسم النوع "إكسبيكتاتوس"، الذي يعني المتوقع باللاتينية.
أما اسم الجنس "لابروخاسوكس"، فقد جاء ليعكس التاريخ المحلي للمنطقة، حيث يدمج بين اسم "رانشوس دي لوس بروخوس"، وهو الاسم الإسباني القديم لموقع "غوست رانش" ويعني "مزرعة السحرة"، والكلمة اليونانية "سوتشوس" التي تعني تمساح.
وتستمر مزرعة "غوست رانش" الواقعة في ولاية نيو مكسيكو في الكشف عن أسرار العصر الثلاثي، مظهرةً كيف أن التجارب التطورية القديمة قد مهدت الطريق لأنماط حياة ومخططات جسدية نجحت لاحقًا في مجموعات حيوانية أخرى.
وتوفر دراسة هذه الأنظمة البيئية الغابرة سياقًا أثريًا لفهم آليات تطور الحياة، ومساعدة العلماء في فهم التحديات التي تواجه الأنواع الحديثة على كوكب الأرض في ظل الضغوط البيئية المتزايدة.
وتعد "غوست رانش" من أفضل المواقع العالمية التي توفر هذه النافذة التاريخية، إذ تضم 4 محاجر رئيسية للأحافير خضعت للتنقيب على مدار عقود، ولا تزال تجود بأفضل أحافير العصر الثلاثي حفظًا على الإطلاق، لتظل هذه المزرعة، التي اشتهرت بتضاريسها الدراماتيكية التي خلدتها لوحات الفنانة "جيورجيا أوكيفي"، محورًا لجهود تنقيب طويلة الأمد.














