أعلنت وكالة الفضاء الأمريكية "ناسا" بالتعاون مع شركائها الاستراتيجيين في قطاع التقنية، عن الإطلاق الرسمي للمرحلة الأولى من مشروع القرن لبناء أول قاعدة بشرية على القمر.
وتأتي هذه الخطوة التاريخية بعد أقل من شهرين فقط على النجاح المبهر لرحلة "أرتميس 2" عبر مدارها القياسي حول الأجرام القمرية، لتتحول الأنظار عالمياً اليوم من مجرد الطيران الاستكشافي العابر إلى التأسيس الفعلي واللوجستي لبنية تحتية قمرية مستدامة، تكون قادرة على احتضان الوجود البشري لفترات طويلة وإدارة الموارد الفضائية بشكل غير مسبوق في تاريخ البشرية.
تحالفات تقنية واستثمارات ضخمة
وفي إطار التدشين الفعلي للمرحلة الأولى من هذا المشروع، ضخت وكالة ناسا استثمارات وعقوداً ماليّة ضخمة تُقدر بمئات الملايين من الدولارات مُنحت لأربع شركات أمريكية رائدة في مجال تقنيات الفضاء لتأمين التجهيزات الميدانية اللازمة قبل وصول الرواد.
وبموجب هذه التفاهمات، ستقوم شركة "بلو أوريجين" بتطوير وتوفير زوج من مركبات الهبوط العملاقة المخصصة لنقل سيارات مخصصة للقيادة على التضاريس القمرية المتطورة إلى منطقة القطب الجنوبي للقمر، وهي السيارات التي تتولى تصنيعها هندسياً شركتا "أستولاب" و"لونار آوتبوست" لتمكين رواد الفضاء من التنقل بسلاسة عبر السطح الوعر، بينما ستتكفل شركة "فايرفلاي أيروسبيس" بإرسال الطائرات بدون طيار لتمسح المنطقة وتؤمن البيانات الجغرافية الدقيقة للموقع.
الجدول الزمني لاستعمار القمر
وتسير هذه التجهيزات الميكانيكية بالتوازي مع الخطط البشرية لرحلة "أرتميس 3" المقررة العام المقبل، إذ سيعمل طاقم من رواد الفضاء على التدرب المكثف في مدار الأرض لربط وتوجيه كبسولة "أوريون" مع مركبات الهبوط القمرية التابعة لشركتي "بلو أوريجين" و"سبايس إكس"، تمهيداً لعملية الهبوط التاريخية المقررة في أقرب وقت من عام 2028.
ومع الانتقال إلى المرحلة الثانية للمشروع والممتدة بين عامي 2029 وأوائل ثلاثينيات القرن الحالي، سيركز المهندسون على تشييد البنية التحتية الدائمة عبر مد شبكة طاقة كهربائية متكاملة لتهيئة السطح تماماً للمرحلة الثالثة والأخيرة التي ستشهد بناء الموائل والبيئات السكنية المغلقة، ليعلن العلماء عندئذ عن الاستيطان البشري الدائم والكامل على سطح القمر دون تراجع.
تنظيم سياسي وإدارة الحدود الفضائية
ولا تقتصر أبعاد مشروع بناء أول قاعدة بشرية على القمر على الجوانب العلمية والهندسية فقط، بل تمتد لتشمل أبعاداً سياسية وتنظيمية متطورة لإدارة الحشود المليونية من المعدات الفضائية الدولية.
وتعتزم ناسا نشر طائرات بدون طيار متخصصة تُدعى "مون فول" عند زوايا محددة لرسم الحدود الإقليمية للقاعدة بحسب تأكيدات مدير الوكالة "جاريد إيزاكمان"، والهدف من علامات التحديد هذه هو إظهار الاحترام الكامل للمركبات والسيارات الفضائية التابعة للدول الأخرى التي قد تنشط في مناطق قريبة، وسط تطلعات أمريكية لمعاملة بالمثل تضمن سلامة وتكامل الأنشطة البشرية فوق هذا الجرم السماوي وتؤسس لنموذج حضاري فريد يحاكي تطلعات المستقبل.












