لم يكن متوقعًا أن تتحول الرحلة البحرية عبر المحيط الأطلسي للسفينة السياحية "إم في هونديوس" إلى أزمة صحية؛ فبعد أسابيع قليلة من انطلاقها، تحولت الرحلة الواعدة إلى كابوس حقيقي إثر وفاة 3 ركاب بسبب إصابتهم بـ "فيروس هانتا"، مع ظهور أعراض المرض على ركاب آخرين.
ولم تكن الأزمة حادثة معزولة؛ إذ يخضع في الوقت ذاته تفشي فيروس "نوروفيروس" للتحقيق على متن سفينة سياحية أخرى، لينضم إلى سلسلة من الأزمات الصحية المماثلة التي تسببت فيها أمراض مثل الإنفلونزا وبكتيريا "إي كولاي" وجدري الماء الناتج عن "فيروس الحماق النطاقي".
هذه الأحداث تعيد للأذهان ما حدث عام 2020، عندما تحولت سفينة "دايموند برينسس" إلى بؤرة لانتشار كوفيد-19، الأمر الذي أدى إلى حجر الركاب والطاقم أسبوعين قبالة سواحل اليابان، وإصابة أكثر من 700 شخص من أصل 3,711 كانوا على متنها.
أسباب انتشار الأمراض بسرعة على السفن
يرى الخبراء أن تحول السفن السياحية إلى بيئات خصبة للأمراض ليس أمرًا مفاجئًا، موضحين أن ذلك يعود إلى تضافر عدة عوامل هيكلية وبشرية رئيسية يصعب تغييرها.
فمن جهة، توصف هذه السفن بأنها "وحوش عائمة" يتكدس فيها آلاف الركاب ويتفاعلون بشكل متكرر وفي مسافات متقاربة جدًا، ومن جهة أخرى، يجمع هؤلاء المسافرون تنوعًا ديموغرافيًا ومناعيًا كبيرًا كونهم قادمين من دول وخلفيات مختلفة وسافروا إلى وجهات متعددة ويمتلكون مستويات متفاوتة من المناعة ضد الأمراض.
وأفادت عالمة أوبئة الأمراض المعدية في جامعة كامبريدج، الدكتورة شارلوت هامر، بأن حركة السفينة المستمرة تزيد من خطورة هذا الوضع، مشيرة إلى أن هذا التنقل يجعل الركاب في حالة تلامس مباشر مع مسببات أمراض لا يواجهونها في حياتهم اليومية، بحسب صحيفة"الغارديان".
هذا إلى جانب النسبة الكبيرة التي تمثلها فئة كبار السن من هؤلاء المسافرين، وهم الفئة الأكثر عرضة وتحسسًا للإصابة بأمراض معينة.
طرق انتشار العدوى
يعتمد تفشي الأوبئة على هوية الركاب وحالتهم الصحية ونوع مسببات الأمراض التي يحملونها، حيث تتعدد طرق انتقال العدوى بدءًا من المسار التنفسي الذي ينتشر من خلاله الأمراض مثل كوفيد والإنفلونزا بواسطة الهباء الجوي المستنشَق أو الرذاذ المباشر الملوث للأسطح، وهو مسار تصعب مواجهته بسبب القيود الهندسية للسفن التي تمنع التهوية المثالية لانخفاض الأسقف وافتقار الكبائن للنوافذ.
ثم يأتي دور الأطعمة الملوثة والأسطح المشتركة، الذي يتسبب في انتشار بكتيريا "إي كولاي" ونوروفيروس؛ إذ تمثل المطابخ "نقطة فشل واحدة" لاستحالة توفير بدائل هندسية لها لضيق المساحة، كما تشكل البوفيهات المفتوحة بؤرة انتشار رئيسية لتشارك أدوات الخدمة، مما يجعل السفن بمثابة غرف خلط فعالة للبشر والملوثات.
أما مسار أنظمة المياه فقد يسبب تفشي "مرض الفيالقة" الرئوي الحاد الناتج عن استنشاق رذاذ ملوث، وهو أمر يؤكد المتخصصون أن التعامل معه معقد للغاية لما يتطلبه إثبات وجود البكتيريا من وسائل فحص لا تتوفر على متن السفينة.
وتواجه الطواقم الطبية بالسفن صعوبة بالغة في اكتشاف الأوبئة مبكرًا لندرة بعض الفيروسات وتطابق أعراضها الأولية مع الإنفلونزا العادية، ويتضاعف هذا التحدي بسبب نقص الكوادر المتخصصة وافتقار السفن للمختبرات والتجهيزات الطبية الضخمة، ما يجعلها غير مؤهلة للتعامل مع التفشي الجماعي.
وتتنوع الحلول المقترحة والإجراءات الوقائية بين تدابير هندسية وطبية تتخذها السفن، وإرشادات عامة يتعين على الركاب الالتزام بها؛ فمن جانب السفن، اقترح تصميم كبائن عزل قابلة للطي لاستخدامها سريعًا في حالات الطوارئ، هذا إلى جانب ضرورة تدريب أطباء السفن السياحية الكبرى على علم الأوبئة وإدارة التفشي لتقليل نسب انتقال العدوى فور حدوثها،
ومن جانب آخر، تحدد المراكز الأمريكية لمكافحة الأمراض والوقاية منها (CDC) نصائح وإرشادات صارمة للركاب تشمل عدم الصعود إلى السفينة في حال الشعور بالمرض والغسل المنتظم لليدين، مع التلقيح ضد الأمراض الروتينية، بالإضافة إلى ضرورة إخطار المركز الطبي فورًا عند الشعور بأي وعكة صحية والحرص على امتلاك تأمين سفر وحزم كمامات للوجه.














