في أكتوبر 1989، واجه رواد الفضاء على متن مكوك أتلانتس إحدى أقوى العواصف الشمسية المسجلة، ما اضطرهم للانسحاب إلى ملجأ آمن داخل المركبة. تُبرز هذه الحادثة خطورة الطقس الفضائي على البشر في الفضاء، خاصة لأولئك الذين يبتعدون عن حماية المجال المغناطيسي للأرض.
أرتميس 2 تواجه مخاطر الطقس الفضائي
في هذا السياق، خاض طاقم مهمة أرتميس 2 خلال الأسبوع الماضي، رحلة استكشافية خارج نطاق حماية المجال المغناطيسي للأرض، حيث تزداد مخاطر العواصف الشمسية بشكل ملحوظ. ويستند الفريق العلمي إلى خبرات سابقة في مواجهة الطقس الفضائي، تعود إلى عاصفة شمسية ضخمة شهدتها الأرض عام 1989، لتقليل المخاطر على الطاقم والمركبة.
خلال الأسبوع الماضي، غامر طاقم مهمة أرتميس 2 التابعة لناسا بالتوغل بعيدًا عن نطاق المجال المغناطيسي الآمن لكوكبنا، حيث تُشكل العواصف الشمسية تهديدات أكثر خطورة. ورغم استمرار خطر الطقس الفضائي، فقد توصل الباحثون إلى بعض الأساليب للتعامل مع هذه المخاطر منذ عاصفة عام 1989.
ووفقًا لموقع " ناشيونال جيوجرافيك" تمثل مركبة أوريون، المستخدمة في مهمة أرتميس 2، الجيل الأول من المركبات المصممة لحماية رواد الفضاء من المخاطر الإشعاعية عالية الطاقة مثل تدفقات البروتونات الشمسية. خلال مهمة أرتميس 1 غير المأهولة عام 2022، جُهزت المركبة بأجهزة استشعار دقيقة لرصد الإشعاع في مختلف أقسامها، ما أتاح جمع بيانات أساسية تساعد في حماية الطاقم البشري في الرحلات المستقبلية.
وتحتوي أوريون على ملجأ مخصص للعواصف الشمسية ودروع متقدمة لامتصاص الإشعاع، كما تقوم أجهزة الاستشعار بمراقبة مستويات الإشعاع بشكل مستمر طوال المهمة.
ويقول ستيوارت جورج، فيزيائي في مركز جونسون للفضاء التابع لناسا في هيوستن والمتخصص في دراسة الطقس الفضائي: "نماذجنا وأنظمتنا أثبتت فعاليتها من حيث التعرض للإشعاع، إنها حقًا مركبة جيدة".
تمر مركبة أوريون التابعة لمهمة أرتميس 2 بتحديات إشعاعية متعددة خلال رحلتها بين الأرض والقمر. يتعرض الطاقم لثلاثة أنواع رئيسية من الإشعاع الفضائي، يمكن أن تؤثر على الأنسجة البشرية والحمض النووي من خلال توليد أيونات قادرة على إحداث اضطرابات جزيئية.
قبل الخروج من نطاق حماية المجال المغناطيسي للأرض، عبر الطاقم حزامي فان ألين، وهما منطقتان حلقيتان على ارتفاع يتراوح بين 600 و60,000 كيلومتر، مليئتان بالبروتونات والإلكترونات سريعة الحركة. وبفضل السرعة الكبيرة للمركبة، تمكنت أوريون من اجتياز الحزامين خلال وقت قصير، مما قلل من تعرض الطاقم لهذه الجسيمات.
ويشكل النوع الثاني من التهديدات الأشعة الكونية المجرية، وهي جسيمات نووية فائقة السرعة قادمة من نجوم متفجرة في الفضاء البعيد، قادرة على إحداث انفجارات صغيرة عند اصطدامها بالمركبة وإطلاق سلاسل من الجسيمات الثانوية، ما يشكل خطراً على صحة رواد الفضاء. وتُعد مراقبة توقيت الرحلة بالنسبة لدورة النشاط الشمسي وسيلة مهمة لتقليل الأضرار، إذ توفر ذروة النشاط الشمسي حماية نسبية مشابهة لما يقدمه المجال المغناطيسي للأرض.
أما التهديد الثالث فيتمثل في الأحداث الشمسية العنيفة، مثل التوهجات وانبعاثات البروتونات الكتلية، والتي تتزايد احتمالية حدوثها خلال ذروة الدورة الشمسية. ومع ذلك، يشير الخبراء إلى أن الإطلاق بعد ذروة الشمس الأخيرة، يوفر أفضل الظروف الممكنة للتقليل من مخاطر هذه الظواهر.
كيف تراقب ناسا الطقس الفضائي؟
تستخدم وكالة ناسا والإدارة الوطنية للمحيطات والغلاف الجوي (NOAA) شبكة من الأقمار الصناعية لرصد النشاط الشمسي والتنبؤ بالعواصف الفضائية التي قد تهدد رواد الفضاء. من أبرز هذه المراصد مرصد المناخ في الفضاء السحيق (DSCOVR)، الواقع على بعد 1.6 مليون كيلومتر من الأرض نحو الشمس، والذي يوفر إنذارًا مبكرًا يتراوح بين 15 و60 دقيقة قبل وصول سيل الجسيمات الشمسية إلى كوكبنا.
في سبتمبر 2025، أطلقت الوكالات ثلاثة أقمار صناعية جديدة لتعزيز مراقبة الشمس: IMAP لمراقبة الجسيمات بين النجوم، ومرصد كاروثرز جيوكورونا، وSOLAR-1 الذي يوفر رصدًا مستمرًا للتوهجات والانفجارات الشمسية. تُغذى بيانات هذه المراصد في برمجيات متقدمة لتقدير خطر الطقس الفضائي والتخطيط لرحلات آمنة.
تيكز فرق العلماء على المناطق النشطة في الشمس، حيث تتجمع التواءات مغناطيسية قوية غالبًا حول البقع الشمسية. تقول باتريشيا ريف، عالمة فيزياء الفضاء في جامعة رايس: "كلما ازداد التواء المجال المغناطيسي، زادت الطاقة المخزنة، وعند انفراجها تُدفع الجسيمات المشحونة إلى الفضاء بسرعة هائلة".
إجراءات الطوارئ لحماية رواد الفضاء
لتدريب رواد الفضاء على مواجهة هذه الظواهر، نظم مسؤولو ناسا وNOAA ورش عمل لمحاكاة العواصف الشمسية. استخدم المشاركون بيانات واقعية ونماذج تنبؤية لتحديد الإجراءات المناسبة للطاقم، خصوصًا عند السفر خارج نطاق حماية المجال المغناطيسي للأرض.
في حال تحذير مبكر من عاصفة شمسية، ينتقل الطاقم إلى ملجأ العاصفة داخل مركبة أوريون، ويستخدم حشوات ومواد إضافية لتقليل التعرض للإشعاع. كما صُممت جدران المركبة من الألومنيوم والبولي إيثيلين عالي الكثافة لامتصاص جزء من الإشعاع. وفي حالات الطوارئ الطويلة، يمكن بناء ملجأ مؤقت باستخدام أدوات ومخلفات متاحة داخل المركبة، وهو أسلوب وصفه العلماء بأنه "ابتكار عملي يشبه حصن الوسائد".
مع تزايد رحلات البشر إلى القمر والمستقبل المحتمل للمريخ، يمثل تطوير أنظمة رصد الطقس الفضائي وطرق الاستجابة له خطوة حاسمة لضمان سلامة رواد الفضاء، وتعد بيانات أرتميس 2 تجربة مهمة في هذا المجال.
اقرأ أيضًا :
أبعد نقطة وصلها البشر.. "أرتميس 2" تحلق حول القمر المظلم
"أرتميس 2" تقترب من الرقم القياسي كأبعد رحلة بشرية في الفضاء
مهمة أرتميس 2.. رحلة لالتقاط صورة القرن














